الضفيرة بوصفها سلاحاً رمزياً

شيرين خليل خطيب

لم تكن ضفيرة المقاتلة الكوردية التي قُطعت بسكين داعشي مجرد خصلات شعرٍ أُريق عليها حقدٌ أعمى، بل كانت رمزاً كثيف الدلالة، صورةً أراد القاتل أن يجعل منها نصراً فجعلها من حيث لا يدري وثيقة إدانةٍ أخلاقيةٍ وتاريخية. لقد صوَّر فعلته وتباهى بها للإعلام، ظناً منه أن العنف حين يُعرَض يتحول إلى قوة، وأن الإذلال حين يوثق يصبح شرعية.

في الثقافة الإنسانية، لا يمثل الشَعرُ زينةً جسدية فحسب، بل امتداداً للهوية والكرامة والذاكرة. وضفيرة المرأة على وجه الخصوص هي نظامٌ رمزي معقد يساوي الأنوثة والحياة والاستمرارية. وعندما يَقطعُ المتطرفُ ضفيرة مقاتلة، فهو لا يحارب جسداً فقط، بل يحاول كسر معنى… معنى المرأة الحرة، والمقاومة والاختيار.

لكن العنف الرمزي، بحسب علم الاجتماع السياسي، لا ينجح في إيصال رسالته دوماً، وحين يتحول إلى صدمة أخلاقية، فإنه ينقلب ضد فاعله، ويصبح عامل تعبئة ضده. وهنا تكمن المفارقة: الضفيرة المقطوعة لم تُسقِط المقاتلة، بل عرَّت الجلاد.

إن لجوء التنظيمات المتطرفة إلى تصوير جرائمها، ليس فعلاً عشوائياً، بل استراتيجية نفسية إعلامية تقوم على ما يُسمى (استعراض الرعب). غير أن الدراسات الحديثة في علم النزاعات تؤكد أن هذا النمط من العنف البصري يحمل بذور فنائه، لأنه يوسع دائرة الرفض، ويُفقد الفاعل أي تعاطف محتمل، ويحيله من قوة إلى خطر مطلق يجبُ استئصالُه. والطغيان الذي يتغذى على الإذلال ينتهي دائماً بالسقوط، لا لأن خصومه أقوى، بل لأنه ينفصل عن أي معنىً أخلاقي للحياة. الداعشي الذي قطع الضفيرة، مثله مثل غيره من سُنَّته ومِلَّته الأولين، ظن أن القوة في الإهانة، وأن الرسالة في الدم، وأن الصورة المفزعة تصنع الخلود. وكل سُنن الأولين مروا… وبقيت ضحاياهم رموزاً لا أرقاماً.

لم يبقَ من السكين إلا صدؤها، ومن الصورة إلا عارها. أما الضفيرة وإن قُطِعت مادياً فقد استمرت معنوياً، في الذاكرة، في السرد، وفي تحول المرأة المقاتلة من جسدٍ مُستباح في خيال القاتل، إلى شاهدٍ على انهياره الأخلاقي. وهكذا تلتقي الضفيرة بسُنّة التاريخ. العنف لا يُخلِّدُ نفسَه، بل يُسرِّعُ في نهايته. ومن يتباهى بقطع الحياة، يقدم الدليل الأوضح على أنه خارجها.

في الحروب المعاصرة، لم تعد المعارك تُخاض على الجبهات وحدها، بل انتقلت إلى الجسد، والرمز، والصورة. والمرأة على وجه الخصوص، أصبحت ساحةً مفضلةً لهذا النوع من الحروب، لا لضعفٍ فيها، بل لحمولتها الرمزية العالية. من هنا لا يمكن قراءة حادثة قطع ضفيرة المقاتلة الكوردية على يد أحد عناصر تنظيم داعش بوصفها فعلاً فردياً أو وحشياً معزولاً، بل باعتبارها جزءاً من نمط عالمي يتكرر كلما انهارت الأخلاق في زمن الصراع.

تميزت تجربة المرأة الكوردية في النزاعات المسلحة بكونها تجربة تحرر مزدوج: تحرر من العنف الخارجي، ومن البنى الأبوية الصارمة في آنٍ واحد. قد شكل انخراط النساء الكورديات في القتال والإدارة والتنظيم صدمةً للخطابات المتطرفة التي لا ترى في المرأة إلا موضوعاً للسيطرة أو الغنيمة. ولذلك، كان جسد المرأة الكوردية هدفاً مباشراً بالتشهير والسبي والقتل والإذلال الرمزي. فقطع الضفيرة هنا ليس فعل كراهية جسدية فحسب، بل محاولة لإعادة المرأة إلى (مكانها المفترض) في خيال الجلاد: الصمت والاختفاء، والانكسار.

في الثقافة الكوردية، للشَّعر دلالة تتجاوز الزينة، فهو امتداد للهُوية والكرامة والانتماء. والضفيرة تحديداً تمثل النظام والاستمرارية والربط بين الماضي والحاضر. حين قُطعت ضفيرة المقاتلة، أراد الفاعل أن يعلن قطيعةً قسرية مع هذه السلسلة الرمزية. لكن ما حدث كان العكس. فقد تحولت الضفيرة المقطوعة إلى ذاكرة مقاومة، وإلى صورة تختزل الصراع بين نموذجين: نموذج يرى المرأة كائناً حراً قادراً على اتخاذ القرار والمواجهة، ونموذج لا يستطيع تحمل هذا الحضور إلا بتدميره. وهكذا، لم تكن ضفيرة المقاتلة الكوردية فصلاً من فصول الهزيمة، بل علامة على تحول تاريخي: تحول المرأة الكوردية من موضوع في الحرب إلى ذاتٍ تصنع معناها، وتُذكّر العالم مرةً أخرى بسُنّة التاريخ التي لا تخطئ.

لقد أظهرت دراسات متعددة أن مشاركة المرأة في النزاعات المسلحة أثناء الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، مثلت حالة فريدة في سياق الشرق الأوسط، خصوصاً من ناحية دمج الأدوار العسكرية والسياسية للمرأة في مشروع تحرير وإعادة تنظيم المجتمع. في هذا الإطار، شُيِّدت وحدات عسكرية نسائية مثل وحدات حماية المرأة، التي نشأت داخل وحدات حماية الشعب، بصفتها ردّ فعل على توسع التنظيمات المتطرفة وتهديدها للمدن والقرى الكوردية في شمال سوريا، وهدفت إلى الدفاع عن المجتمع، وتغيير الأدوار التقليدية للمرأة في المجتمع الكوردي الحديث. تقدم هذه الحالةُ الكوردية مثالاً فريداً في دراسة المرأة في النزاعات المسلحة الحديثة، حيث يتداخل السعي نحو التحرر الاجتماعي مع الدفاع العسكري الحقيقي ضد التطرف العنيف. لم تكن المرأة في هذه السياقات مجرد مشارك ثانوي، بل فاعلاً رئيساً في الدفاع عن المجتمع وإعادة تشكيله، مما يجعلها موضوعاً مهماً للبحث العلمي المستقبلي في حقول دراسات الحرب، دراسات المرأة، والتحولات الاجتماعية السياسية في الشرق الأوسط.

جسد المرأة بوصفه سلاحاً سياسياً

تشير دراسات الحروب الحديثة إلى أن الاعتداء على النساء، رمزياً أو جسدياً، يُستخدم وسيلةً لإعادة إنتاج الهيمنة، وكسر الجماعات المعادية نفسياً. فقص الشعر أو التشهير أو التصوير القسري، ليست أفعالاً عشوائية، بل أدوات لإعادة تعريف المرأة من فاعل تاريخي إلى غنيمة أو رسالة.

غير أن هذه الأدوات تنقلب، في كثير من الأحيان، على مستخدميها. فحين تُقطع ضفيرة مقاتلة، لا يُمحى دورها، بل يُعاد تعريفه بوصفه دليلاً على خوف الخصم من حضورها. المرأة التي تحمل السلاح أو الفكرة تهدد البنية الذكورية العنيفة. لذلك يُستهدف جسدها لا عقلها، ومظهرها لا موقفها.

التباهي بتصوير الجريمة يكشف تحولَ العنف إلى عرضٍ إعلامي. لكن علم الاجتماع السياسي يؤكد أن العنف المصوَّر ضد النساء يملك أثراً عكسياً، فهو لا يشرعن الفاعل، بل يعزله أخلاقياً، ويحوله إلى رمز لانحطاط الفكرة التي يدعي الدفاع عنها. وهنا تصبح المرأة، مرة أخرى، مركزَ المعنى؛ الضحية التي تكشف زيف القاتل. في هذه اللحظة تحديداً لا تعود الضفيرة شَعراً، بل خطاباً مضاداً.

التنظيمات التي جعلت من جسد المرأة ساحة حرب، أعادت إنتاج سُنّة الأولين… سُنّة الطغاة الذين واجهوا مقاومةً صامتة في البداية، ثم سقوطاً مدوّياً في النهاية. فالمرأة في الحروب المعاصرة لم تعد ضحية فحسبُ، بل شاهدة، وراوية، ومقاتلة، وذاكرة جماعية لا يمكن محوها بالصورة ولا بالسكين.

لم ينتصر السكين، ولا الكاميرا، ولا خطاب الكراهية. الذي انتصر هو المعنى. فالمقاتلة الكوردية، وإن قُطعت ضفيرتها، لم تُختزل في جسدها، بل ارتفعت إلى رمز لمرحلة تاريخية تُعيد فيها النساء تعريف أدوارهن في الصراع، لا بوصفهن هوامش للحرب، بل مركزاً أخلاقياً يفضح زيف الحرب. من يجعل جسد المرأة ميداناً لإثبات قوته، يعلن دون أن يدري بداية نهايته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…