“قسد” بين الدور الوظيفي والمآلات السياسية: قراءة تحليلية

المحامي عبدالرحمن محمد

منذ بدايات الحرب على تنظيم داعش، لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في تأسيس ودعم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، حيث تولت تمويلها وتسليحها وتدريبها، وقدمت لها الغطاء السياسي والعسكري ضمن إطار التحالف الدولي. غير أن هذا الدعم لم يكن نابعا من اعتراف بقسد كطرف سياسي كوردي مستقل، ولا من إيمان بالحقوق القومية للشعب الكوردي، بل جاء في سياق توظيف عسكري يخدم المصالح الأمريكية وأجنداتها الإقليمية.

تعاملت واشنطن مع قسد بوصفها أداة عسكرية وظيفية مؤقتة: جنود تحت الطلب، حراسا لآبار النفط، ومكلفين بحراسة مخيمات وسجون عناصر تنظيم داعش. وقد صرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب علنا بأن قسد حاربت داعش إلى جانب الولايات المتحدة “كمرتزقة”، في توصيف يعكس طبيعة العلاقة القائمة على المنفعة المؤقتة لا الشراكة الاستراتيجية.

انضمت قسد إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش دون أي اتفاق سياسي واضح، ودون ضمانات تتعلق بالمستقبل السياسي أو الحقوقي للكورد، بل كان الانخراط مقابل الدعم المالي والعسكري فقط. ومع تغير الظروف وسقوط النظام السابق وتبدل المصالح والتحالفات، انتهت الوظيفة التي أنشئت من أجلها قسد. ولهذا لم تعد اليوم جزءا فاعلا في التحالف الدولي، حيث بدأت سوريا تأخذ موقعا بديلا في معادلات المرحلة الجديدة.

في هذا السياق، تمارس الولايات المتحدة ضغوطا متزايدة من أجل دمج قسد في الجيش السوري. وهذا “الاندماج” لا يعني سوى حل قسد فعليا وإنهاء وجودها ككيان مستقل. وقد أكد مظلوم عبدي، القائد العام لقسد، في أكثر من تصريح إعلامي أن قواته “ليست قوات كوردية، بل نواة لجيش سوري مستقبلي”، وهو ما ينسجم تماما مع خيار الاندماج.

كما تشير المعطيات إلى أن توجيهات مباشرة صدرت من إمرالي لقسد لتنفيذ هذا المسار. ورغم ذلك، لم تفسح قسد المجال أمام الوفد الكوردي الموحد المشترك، على الرغم من أن أكثر من نصف أعضائه ينتمون إلى قسد ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد). بل على العكس، وقعت قسد عدة صفقات إدارية وأمنية وعسكرية مع دمشق، جاءت على حساب القضية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي السياسية، وهويته ووجوده التاريخي على أرضه.

منذ عام 2015، صادرت قسد القرار السياسي والحقوقي للشعب الكوردي في غرب كوردستان، بالتنسيق مع النظام السابق، واستمر هذا النهج مع النظام الحالي. ويعد ما يعرف بـ”مرسوم الشرع” أحد ثمار تلك الصفقات السياسية والأمنية.

لقد كانت قسد، في كثير من المحطات، جزءا من المشكلة بدلا من أن تكون جزءا من الحل. رفعت شعارات “أخوة الشعوب” و”الأمة الديمقراطية”، غير أن الواقع أثبت أن الشعب الكوردي هو من دفع – ولا يزال – فاتورة أخطاء هذه السياسات. فاليوم، تستهدف جغرافيا غرب كوردستان والشعب الكوردي بحجة وجود قسد، فيما وجد الكورد أنفسهم مضطرين للدفاع عنها بشكل غير مباشر بعد أن خذلتهم الأطراف التي طالما تغنت بشعارات الأخوة العابرة للحدود.

وحتى هذه اللحظة، لا يزال أتباع ما يعرف بـ”الجماعة العابرة للحدود” يرفعون الشعارات الأيديولوجية والحزبية في المظاهرات، دون خجل أو إحساس بالمسؤولية تجاه حجم المعاناة التي يعيشها الشعب الكوردي.

إن تضامن الشعب الكوردي كان – ولا يزال – مع غرب كوردستان ومع الشعب الكوردي فقط، بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة.

كل الاحترام والتقدير لمساعي قوات البيشمركة، وللدور الذي يقوم به الرئيس مسعود بارزاني، وسيادة الرئيس نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، في سبيل وقف الحرب، ومنع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والتصدي للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية بحق الشعب الكوردي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…