دبلوماسية كوردستان من الفاتيكان إلى مراكز القرار الدولي

عمر صالح عمر

 

تندرج الدبلوماسية المكثفة التي تقودها القيادة السياسية في إقليم كوردستان ضمن إطار استراتيجي متكامل يعكس قراءة متقدمة لطبيعة التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة والعالم. فالحراك السياسي المتوازي، من روما إلى دافوس وصولاً إلى العواصم الإقليمية، لا يمثل نشاطاً بروتوكولياً ظرفياً، بل يعبر عن إعادة تموضع محسوبة تهدف إلى تثبيت القضية الكوردية بوصفها قضية سياسية وحقوقية وإنسانية ذات أبعاد دولية.

في هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى روما ولقاؤه مع قداسة بابا الفاتيكان دلالة خاصة تتجاوز بعدها الرمزي. فالفاتيكان، بما يمتلكه من ثقل أخلاقي وروحي وتأثير ناعم في دوائر القرار الدولي، يشكل منصة فريدة لإيصال الصوت الكوردي إلى الضمير العالمي، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة. حضور بارزاني في هذا الفضاء يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية توظيف الدبلوماسية القيمية والأخلاقية إلى جانب الدبلوماسية السياسية التقليدية، ولا سيما في ظل ما تعرض له الشعب الكوردي، من حروب وتهميش وانتهاكات خلال عشرات السنين.

إن لقاء رئيس مسعود بارزاني مع بابا الفاتيكان يمكن قراءته كرسالة متعددة الاتجاهات  رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن القضية الكوردية ليست ملفاً أمنياً أو تفاوضياً فحسب، بل قضية إنسانية ترتبط بحقوق الشعوب في الكرامة والعيش المشترك والسلام؛ ورسالة إلى القوى الإقليمية بأن كوردستان قادرة على بناء شرعيتها الدولية عبر قنوات أخلاقية رفيعة لا تخضع لمنطق الصراعات الصفرية.

وبالتوازي مع هذا البعد القيمي، جاء حضور رئيس الحكومة مسرور بارزاني في منتدى دافوس ليعكس وجهاً آخر من الدبلوماسية الكوردستانية، يتمثل في مخاطبة الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار المالي العالميين، وتأكيد موقع إقليم كوردستان كشريك مستقر في بيئة إقليمية مضطربة.

 أما الحراك الذي يقوده رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني على المستوى الإقليمي والدولي، فيكمل هذه اللوحة عبر إدارة علاقات متوازنة مع القوى المؤثرة، بما يضمن للإقليم هامش حركة أوسع وقدرة أكبر على حماية مكتسباته السياسية.

وعليه، فإن هذا التوزيع الذكي للأدوار بين القيادة الكوردستانية لا يعكس تعددية في المواقف، بل وحدة في الرؤية والهدف. الهدف الذي يتمثل في حماية الشعب الكوردي وصون مصالحه الاستراتيجية، ليس عبر الارتهان لمحور واحد، بل من خلال نسج شبكة علاقات متعددة المستويات، تمتد من الفضاء الروحي والأخلاقي في الفاتيكان، إلى المنصات الاقتصادية العالمية في دافوس، وصولاً إلى دوائر القرار الإقليمي.

 يمكن القول إن دبلوماسية إقليم كوردستان اليوم تتحرك على أساس أن القوة لم تعد عسكرية أو سياسية فقط، بل أخلاقية واقتصادية ورمزية أيضاً. ومن هذا المنطلق، تشكل زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى الفاتيكان محطة مفصلية في مسار طويل يهدف إلى تثبيت الكورد كفاعل مسؤول يسعى إلى السلام والاستقرار، لا كطرف عابر في معادلات مؤقتة، وهو ما يمنح هذه الدبلوماسية بعداً استراتيجياً يتجاوز اللحظة الراهنة نحو أفق طويل المدى.

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…