عبدالجابر حبيب
إلى أبناء الحسكة والقامشلي الأعزاء،
عرباً وكورداً ومسيحيين، ومن جميع الطوائف والمشارب…
لقد كنّا إخوةً منذ زمنٍ لم يعد له عدد،
زمنٌ صاغ وجوهنا معاً، وكتب على أرصفة الشوارع ضحكاتنا، وأشعل على مآذن المساجد أجراس أفراحنا، ودفن في الكنائس دموعنا حين عاندنا الحزن.
الأخوّة بيننا لم تكن مجرد كلمة تُلقى على ألسنة العابرين، بل كانت نبضًا يضيء في عروق المدينة نفسها، يربط بين قلبٍ وقلب، بين بيتٍ وبيت، بين ذكرى وأخرى.
الكردي امتزج بالعربي، والفرح امتزج بالحزن، والخبز امتزج بالعرق، لا كجوارٍ فقط، وإنما كأهلٍ يحملون نفس الهواء، ويشهدون على نفس المطر، ويستحضرون نفس الأرض حين تمسك بأرواحهم.
هنا، في هذه الحسكة وهذه القامشلي، لا تُفرّقنا الخطوط على الورق، ولا الجدران بين البيوت، بل يجمعنا شيء أكبر من كل ذلك: ذكرياتنا، ومصائرنا، وأملنا البسيط بأن نعيش بسلام.
ما يحدث اليوم ليس أكثر من زوبعةٍ في فنجان،
يحاول بعضهم إقحامنا في لعبةٍ قذرة، ويزرع بيننا بذور الغضب والكراهية، كما يُزرع السراب في صحراءٍ عطشى.
لا تنساقوا وراء الصراخ الرخيص، ولا تتركوا غضباً عابراً يهدم ما بناه آباؤنا وجدّاتنا: الصبر، والألفة، والكرامة.
دعوا القلب يستمع قبل الأذن،
فالمتعمّدون في إشعال الفتنة يعيشون على الانقسام كما تعيش النار على الحطب، لا يعرفون الحب، ولا يتذكرون أيام العيون التي التقت على الطرقات، ولا أصوات الأطفال الذين تعلموا أن يضحكوا معاً.
الفَتْنَةُ، إن اشتعلت، لا تميّز بين عربي وكردي، ولا بين مسلم ومسيحي، بل تحرق كل قلب، وتغرق كل بيت، وتطفئ كل ضحكة.
ولعنة الله على من أيقظها، وعلى من نفخ في رمادها، وعلى من أراد لهذه المدن أن تنسى نفسها، أن تنسى أنها كانت وطناً لأرواحٍ مختلفة، لكنها متحدة بالحب والذاكرة.
رأس الحكمة أن نحفظ بعضنا بعضاً،
وأن ننتصر للمحبة قبل الغضب، وللعقل قبل الغريزة.
فبذلك وحده نحمي البيوت التي ننام فيها، ونحمي الأطفال الذين يلعبون في الشوارع، ونحمي الأرض التي احتضنتنا جميعًا، ونبني مستقبلًا يليق بالمدن التي علمتنا كيف نحب ونحلم ونعيش.
هنا نعيش معاً، هنا تتلاقى القلوب، وهنا تسقط الفتنة.
وهنا، فقط، يزهر السلام، ويكبر الأمل، ويستمر نبض الأخوّة، كما تستمر الحياة رغم كل ما حاول إيقافها.