إبراهيم اليوسف
ليس بخاف على أحد، البتة، أن الإعلام الغربي يؤثِّر على نحو شديد، ومباشر، في جمهوره، إذ يملك قدرة واسعة، وهائلة، على توجيه الأنظار، وصناعة التعاطف ضمن اللعبة المعول عليها، وإعادة ترتيب الأولويات الأخلاقية لدى المتلقي، وفق ما يراد، لا وفق ما هو فعلي. وقد بدا هذا التأثير بوضوح في السنوات الأولى من الثورة السورية 2011، حيث جرى تسليط الضوء على مأساة إنسانية واسعة النطاق، فاستجاب الرأي العام الأوروبي بتعاطف ملموس، تُرجم استقبالاً كثيفاً لمئات الآلاف من السوريين، واحتفاءً شعبياً، وتطوعاً من أسر فتحت قلوبها قبل بيوتها، وساهمت في تسيير شؤون حياة وافدين قُدّموا باعتبارهم ضحايا حرب لا فاعلين فيها. تشكّلت آنذاك صورة متماسكة، غذّاها إعلام اختار زاوية واضحة، وأدار سرداً متصلاً، فكان أثره حاسماً.
انقلبت زاوية العدسة الراصدة، لاحقاً، كما هو ملحوظ، إذ جرى تضييق دائرة المشهد، والانتقال من تناول السياق العام المطلوب، إلى محض تكبير لوقائع فردية، أُخرجت من إطارها، وقُدّمت باعتبارها مؤشراً كاشفاً، وقد حدث ذلك، رغم أن تفادي تلك الوقائع كان جد ممكن، وفق تصورنا، عبر إجراءات فحص دقيقة لبيانات وسوابق، ورغم أن عدد المتورطين ظل محدوداً قياساً بكتلة بشرية واسعة التزمت القانون، وانخرطت في مجتمعاتها الجديدة. مع ذلك، بدا المشهد مشوهاً، إذ حُملت جماعة بأكملها تبعات أفعال معزولة، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة في الخطاب العام، وهكذا اختل ميزان السرد، وهكذا فقد انقلبت النظرة إلى السوريين، من قبل جمهور غير قليل، في أوربا، من خلال سلوكيات أو انتهاكات حفنة من الشذاذ.
في الحقيقة، إن تناول مثل هذا الخلل، بل التناقض، يظهر- جلياً- في ما جرى ميدانياً، ضد مكوّنات سورية مختلفة، في الوطن السوري، من قبل النظام الجهادي، حيث خضع توصيف الضحايا، في هذا الإعلام، عبر تراتبية مكشوفة، وفق حسابات سياسية. فقد جرى التعامل مع ملف مجازر العلويين الذين تعرّضوا لحرب شرسة عليهم، تحت يافطة اعتبارهم امتداداً لسلطة سابقة، رغم أن أعداداً كبيرة من الضحايا كانوا مدنيين أبرياء، بل من بينهم: أطفال ونساء وشيوخ، وحتى شباب ورجال غير مسلحين، لم يرتكبوا أية انتهاكات. بينما لقي- في المقابل- ملف الدروز بعض الاهتمام اللازم، من هذا الإعلام، نظراً لتبنيه من قبل إسرائيل، تحت ضغط أهلهم في الطرف الإسرائيلي، رغم وجود كرد يهود أيضاً، ضمن خريطة إسرائيل في صورتها الحالية. وقد تكرّر المنطق ذاته عند مقاربة القضية الكردية في سوريا، إذ أُعيد تأطير مظاهرات سلمية في مدن أوروبية من خلال أخطاء محدودة، فغابت الصورة الكلية، وحضر التفصيل المبتور، وتحوّل الحراك السلمي إلى مادة تشكيك، وما منح الاتحاد الأوربي نظام دمشق حوالي ستمئة وعشرين مليون دولار، في الوقت الذي كانت ترتكب المجازر المروعة بحق السكان الآمنين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في حلب، منقلبين على الاتفاق بين الجنرال مظلوم عبدي والرئيس المؤقت أحمد الشرع.
وبدلاً من أن يتم استعراض وقائع حرب الإبادة ضد الكرد في سوريا، عبر وسائل الإعلام الغربي، بعد أن اتسعت دائرة حرب النظام ضد الكرد وامتدت إلى محافظات: دير الزور- الرقة- الحسكة، ما دعا الجاليات الكردية للتداعي إلى وقفات تضامنية سلمية، فإنه يتم التركيز على أخطاء طفيفة تتم، لا تخرج عن سيطرة أجهزة البوليس- في غالبها- بالإضافة إلى استفزازات تحريضية مقصودة، حيث يُدسّ مستفزون يرفعون رايات صادمة، أو يستخدمون أدوات استفزاز، في اللحظة التي يكون فيها المتظاهرون تحت وطأة خبر أليم: حصار، أو الغدر بمقاتلات ومقاتلين انسحبوا وفق تفاهم- تحت رعاية التحالف الدولي- ثم سقطوا في كمين، كما حدث في دير حافر ومسكنة، وبالتزامن مع حصار حرس سجن في الرقة يضم آلاف عناصر متطرفة، ومع انتهاكات موثقة في أحياء حلب، غير أن هذه الوقائع لا تصل إلى المتابع الأوروبي بالوزن ذاته، ولا تحظى بالاستمرارية نفسها في التغطية.
ومن المعروف لدى القاصي والداني أن هذا الغياب يتعلق بسبب سياسي مباشر، يتجسد في الحفاظ على صورة شخصية قُدّمت باعتبارها مخرجاً مرحلياً- ألا وهي صورة أحمد الشرع- رغم تاريخها معروف في العمل الجهادي والميليشوي، وإن جرى تلميعها، عبر إلباسها بدلة، ربما هي من خزانة ملابس الطاغية السابق بشار الأسد، بالإضافة إلى ربطة عنق، وتخفيف اللحية، وإعادة ترتيب وقائع، في سياق تبنٍّ سياسي دولي، تأثّر بحسابات إقليمية، وسعى إلى تبييض صفحته، وتسويق دوره، وتسويغ ترتيبات أوسع، معولين عليه. بينما نرى أنه ضمن هذا الملف ذاته، كيف أُقصيت صور وفيديوهات لا تخدم السردية الملفقة المطلوبة، في إطار حجب كل ما يناقض الرواية الرسمية.
هكذا، على هذا النحو، يتضح الهدف المبتغى للمتابع أكثر وأكثر، عند طرح ملف إعادة السوريين بعد مرور خمس عشرة سنة، على بدء الحرب، إذ يُراد تسويق فكرة انتهاء الخطر، وإقناع الرأي العام بأن مرحلة الحرب قد طُويت، وسط كل مشاهد القتل والاغتصاب والتهجير والدمار والحرائق، لاسيما إن بعض الشذاذ الذين تسللوا بين موجات اللجوء من أصحاب السوابق ظلوا قلة محدودة، وأن غالبية السوريين اندمجت، وأسهمت في الاقتصاد، ورفدت المجتمعات المضيفة بالخبرات، وربّت جيلاً جديداً يكاد ينسى لغته الأولى- للأسف- وهو يتماهى مع ثقافة محيطه الجديد. إلا أنه رغم ذلك، يُعاد إنتاج صورة نمطية، تُحمّل السوري عبئاً جماعياً، وتُسقِط سياقاً كاملاً من العمل والاندماج.
من هنا يتبيّن أن تبديل زاوية العدسة لا يغيّر الواقع، بل يغيّر حكم الجمهور عليه، في ظل إعلام انتقائي، تحت وطأة ما هو سياسي، بعيد عن المسؤولية، وعلى حساب الحقيقة. بينما تظل الحاجة قائمة إلى رصد إعلامي متوازن، لا يضخّم الفردي، ولا يُخفي الجماعي، أي: ألا يختزل، أو مكوناً أو طائفة، في أخطاء طفيفة مقابل تنميق وتزيين حالة إجرام موصوف. وهكذا يبقى كشف هذا الخلل ضرورة، لأن ثمة عدسة عادلة عليها أن تنقل ما يحدث، لا ما يُراد له أن يُرى.