حين تُفتي الدولة بالقتل .. بيان الجوامع كشريك في الجريمة ضد الكرد

خوشناف سليمان

لم يعد ممكنًا توصيف البيان الصادر عن وزارة الأوقاف في حكومة دمشق. والمُعمَّم على الجوامع. بوصفه خطابًا دينيًا أو دعوة روحية. ما صدر هو تحريض رسمي مكتمل الأركان. يضفي قداسة دينية على القتل. ويحوّل المنبر إلى أداة تعبئة حربية ويضع الدولة . بلا مواربة . في موقع الشريك الأخلاقي والسياسي في الجرائم المرتكبة بحق الشعب الكردي.
هذا البيان. بلغته. ومفرداته. وتوقيته. ليس بريئًا ولا عفويًا. إنه فتوى سياسية مقنّعة. تستخدم النص الديني لتبرير الحرب. وتطلب من المجتمع أن يصفّق للموت. وأن يرفع التكبير فوق أنقاض المدن وأجساد الضحايا.
تقاطع فاضح مع داعش.. لا اختلاف في الجوهر
قد يختلف الشعار بين حكومة دمشق وتنظيم داعش. لكن الآلية واحدة..
داعش حرّض من فوق المنابر على القتل باسم /الخلافة/.
وزارة الأوقاف تحرّض اليوم باسم /الدولة/ و/الانتصارات/.
كلاهما..
يربط القتل بالثواب الإلهي.
يجرّد الضحية من إنسانيتها.
يطلب من الناس الدعاء للجناة لا للمقتولين.
هذا ليس تشبيهًا بل توصيفًا دقيقًا. فحين تطلب جهة رسمية من الخطباء /الدعاء لأبطال الجيش / و/الفرح بالفتوحات/. دون أي ذكر للمدنيين. أو للضحايا. أو للدم المسفوك. فهي تمارس الإباحية الأخلاقية ذاتها التي مارسها داعش. مع فارق واحد فقط.. أن داعش كان تنظيمًا خارج الدولة. بينما هذه الفتوى صادرة عن مؤسسة رسمية تحمل ختم الجمهورية.
الكرد.. الضحية المُسقَطة من الدعاء
البيان لا يذكر الكرد بالاسم. لكنه يقصدهم بالنتيجة.
فالعمليات العسكرية التي يُطلب الدعاء لها. تُنفّذ في مناطق كردية. والضحايا هم من المدنيين الكرد. والتهجير يطال القرى الكردية. ومع ذلك يغيب الكرد تمامًا عن لغة البيان. كأنهم خارج الإنسانية. خارج الوطن. خارج الدعاء.
هذا الإسقاط ليس سهوًا. بل موقف سياسي . عنصري واضح..
الكرد ليسوا مواطنين. بل / تفصيلًا أمنيًا /. ودمهم قابل للتبرير إذا غُلّف بالدين.
منبر الجامع كغطاء للقتل
حين يتحول الإمام إلى مكرّر لبيان عسكري. وحين يُطلب من المسجد أن يحتفل بـ/ الانتصارات /. فإن الدين يُسحب من مجاله الأخلاقي ليُزجّ به في ماكينة القتل.
وهنا تكمن الجريمة الأكبر.. تلويث العقيدة لتبرير الدم.
هذا البيان لا يدعو إلى السلم. لا إلى حقن الدماء. لا إلى حماية المدنيين. بل إلى الاصطفاف. وإلى الصمت. وإلى التسليم بأن ما يجري / إرادة إلهية /. وهذه هي الصيغة الأخطر لأي تحريض.. حين يُقتل الإنسان. ويُقال إن الله يريد ذلك.
الدولة التي تُفتي. تفقد شرعيتها
أي سلطة تستخدم الدين لتبرير قتل جزء من شعبها. تفقد تلقائيًا أي شرعية أخلاقية أو وطنية.
وأي وزارة أوقاف تبارك الحرب دون أن ترى الضحية. هي وزارة شريكة في الجريمة. حتى لو لم تطلق رصاصة واحدة.
ما صدر عن الجوامع ليس مجرد بيان. بل وثيقة إدانة ستبقى شاهدة على لحظة انكشاف..
انكشاف دولة ادّعت محاربة الإرهاب. لكنها استعارت لغته.
وادّعت حماية الوطن. لكنها باركت قتله.
وادّعت الإيمان. لكنها صفّقت للدم.
خاتمة.. لن يُغسِل التكبير الدم
لن تُغسِل الدعوات دم الأطفال.
ولن يُخفي التكبير رائحة القتل.
ولن يمنح الختم الرسمي قداسة للجريمة.
الكرد لن ينسوا أن المنبر صمت عنهم.
وأن الدولة دعت لقتلهم.
وأن الفتوى جاءت حيث كان يجب أن تأتي كلمة / توقّفوا /.
هذا ليس خلافًا سياسيًا. بل جريمة مكتملة الأركان.
وكل من باركها. أو صمت عنها. أو صلّى فوقها.
شريك فيها.. مهما علا صوته بالدعاء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شفان إبراهيم أصدر المجلس الوطني الكوردي بياناً سياسياً في 29-6-2026، رداً على ما ورد في اجتماع بعض الأحزاب السياسية الكوردية، المُنعقد في قامشلو قبل أيام، حيث حُمل المجلس مسؤولية فشل الوفد، وتوصيفه بالوقوف في غير الصف الكوردي. البيان حمل طابع تصعيد سياسي سلمي واضح، واضعاً كُل حمولة الفشل وغياب حركة الوفد الكوردي المنبثق عن كونفرانس 26نيسان 2025، في ملعب قوات…

فيصل اسماعيل   لا تُقاس مكانة الدول العظمى بعدد المعارك التي تربحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. والتاريخ مليء بأمثلة لدول خرجت متفوقة عسكريًا، لكنها فقدت مكانتها الدولية بسبب إخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية. لقد دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم، وحقق تفوقًا عسكريًا في معظم مراحل الحرب، لكنه…

حسن قاسم منذ عام 1957، مع تأسيس أول تنظيم سياسي قومي كوردي في سوريا حمل على عاتقه الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكوردي، وحتى اليوم، لم تشهد أدوات وأساليب النضال السياسي الكوردي التحول المطلوب الذي تفرضه طبيعة المرحلة. فعلى امتداد عقود طويلة، بقيت البنية التنظيمية للأحزاب الكوردية أسيرة أساليب تقليدية، بينما تغيّر العالم من حولها سياسياً وتقنياً واجتماعياً. هذه الجمودات…

نظام مير محمدي *   كلما اندلعت انتفاضة في إيران، وتعالت أصوات المطالبين بإسقاط الدكتاتورية الدينية، عادت إلى الواجهة محاولات لإحياء بقايا نظام الشاه وتقديمها بوصفها البديل السياسي للنظام القائم. ولم يعد هذا المشهد مجرد تزامن، بل أصبح نمطاً متكرراً كلما اشتدت الضغوط على نظام الملالي واتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية. هذه الظاهرة تكشف تقاطع مصالح بين طرفين يبدوان متخاصمين، لكنهما…