الاندماج الكامل… حل مؤقت لصراع مؤجل

نورالدين عمر 
في لحظة فارقة من عمر الصراع السوري، تأتي “اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل” لتضع حدا للترقب والمواجهة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. هذه الاتفاقية، التي تضم أربعة عشر بندا، لا تمثل مجرد إجراء عسكري تقني، بل هي إعادة صياغة شاملة لموازين القوى في الشمال والشرق السوري، وفرض لواقع جديد أملته تحولات الميدان وتوازنات المصالح الدولية.
تتمحور أهم بنود الاتفاقية حول استعادة الدولة المركزية سيطرتها على محافظتي الرقة ودير الزور، وتسلم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز. هذا التحول يعني عمليا أن دمشق باتت هي المتحكمة بالاقتصاد في شمال وشرق سوريا، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن هيكلية الدولة. وفي مقابل هذا التوسع المركزي، برزت بنود تهدف إلى امتصاص التوتر، كإخلاء مدينة “كوباني” من المظاهر العسكرية الثقيلة، واعتماد قوة أمنية من أبنائها، في محاولة لطمأنة الحاضنة الشعبية الكردية.
وكان يمكن أن يعد بند دمج عناصر “قسد” العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع منحهم الرتب العسكرية، الاعتراف الأكثر جرأة بخصوصية هذه القوات، في حال اندماجهم ككتلة لا كأفراد، كما ورد في الاتفاق. أما اعتماد قائمة قيادات مرشحة من “قسد” لشغل مناصب عليا في الدولة، فهو بدوره يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل نحن أمام “شراكة وطنية” حقيقية تؤسس لمستقبل تعددي، أم هو مجرد استيعاب تكتيكي تفرضه ضرورة المرحلة؟ وهو، على الأغلب، مجرد استيعاب تكتيكي، وسيكون من الصعب تحقيق ذلك عمليا.
من ناحية أخرى، لا يمكن قراءة هذه الاتفاقية بمعزل عن “انقلاب موازين القوى”؛ فقد وجدت “قسد” نفسها بين فكي كماشة: تقدم ميداني لقوات السلطة مدعوم بزخم إقليمي وتفاهمات تركية-سورية من جهة، وتخاذل أمريكي متكرر ترك حلفاء الأمس في مواجهة مصيرهم وحدهم من جهة أخرى.
لقد كان الخيار الكردي مرا؛ فإما المضي في مواجهة خاسرة قد تؤدي إلى هجرة مليونية نحو إقليم كردستان، وتكرار مآسي التهجير، أو القبول بهذا الاتفاق الذي يراه الكثيرون نوعاً جديدا من الظلم المفروض، رغم التضحيات الهائلة التي قدمها الكرد في كسر شوكة إرهاب “داعش” نيابة عن العالم أجمع.
أيضا تلقي هذه الاتفاقية بظلالها على ثلاثة ملفات وطنية كبرى:
المشاركة والحريات: تفتح الاتفاقية الباب أمام تمثيل الأقليات في هيكلية الدولة المركزية، لكن نجاح هذا المسار مرهون بمدى قدرة دمشق على التحول من “عقلية السيطرة” إلى “عقلية الاستيعاب” السياسي، وهو ما يبدو صعبا جدا مع العقلية الاقصائية المسيطرة على السلطة .
النظام اللامركزي: رغم أن البنود تعيد المركزية الإدارية والعسكرية، فإن التأكيد على “حماية خصوصية المناطق الكردية” قد يمهد الطريق لنقاش مؤجل حول “اللامركزية الموسعة” كحل لضمان حقوق كافة المكونات.
العودة الطوعية: يبرز بند العودة الآمنة لأهالي عفرين والشيخ مقصود كاختبار إنساني وأخلاقي لمدى جدية الأطراف في إنهاء ملف النزوح وتداعياته الديموغرافية.
وأخيرًا، فإن هذه الاتفاقية، رغم قسوتها وتوقيتها، ليست نهاية المطاف للقضية الكردية في سوريا، بل هي “بداية جديدة” تفرض تغيير أدوات النضال. لقد انتقلت المعركة من الجبهات الميدانية المشتعلة إلى أروقة السياسة ومؤسسات الدولة. هي تسوية “الحد الأدنى” التي جنّبت المنطقة انفجارا شاملا، لكنها تظل حلولا قلقة ما لم تتبعها رؤية وطنية شاملة تعيد صياغة العقد الاجتماعي السوري على أسس العدالة والديمقراطية والمشاركة الحقيقية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تتابع المنظمة الآثورية الديمقراطية بقلق بالغ قرار هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي، لما يمثله هذا المبنى من قيمة تاريخية وثقافية وعمرانية تتجاوز كونه منشأة خدمية، إذ يُعد أحد أبرز الشواهد على تاريخ المدينة، ويشكل جزءًا من ذاكرتها الجماعية وإرثها الحضاري الذي يخص جميع أبنائها بمختلف مكوناتهم من عرب وكورد وسريان آشوريين وأرمن. ويكتسب هذا الحدث أهمية مضاعفة لوقوعه بالتزامن مع…

روني علي هم أنفسهم .. حين تستمر في عملك الحزبي يقولون عنك تابع وخانع ووو.. حين تستقيل يقولون كان القرار تحت ضغط أو تأثير أو او او .. حين تنسحب يقولون عنك القرار جزء من مؤامرة على حزبه حين تنشق وتشكل مشيختك يقولون ما يقولون .. اما أنا فأقول .. مارس قناعاتك سواء داخل حزبك أو خارجه وحاول أن تجسد…

صلاح بدرالدين تتوالى الانسحابات من مستويات مختلفة من معظم الأحزاب الكردية ، ولم تهدأ موجة الانقسامات التي تحصل بين الحين والآخر في هياكلها التنظيمية ، والاسباب الحقيقية عديدة ولكن يتم التركيز غالبا على الافراد مع غياب القضايا الفكرية ، وحتى المواقف السياسية ، وفي جميع الأحوال فانها تدور حول العامل الذاتي بشكل عام ، وكما أرى ومهما تعددت الأسباب المعلنة…

شفان إبراهيم أصدر المجلس الوطني الكوردي بياناً سياسياً في 29-6-2026، رداً على ما ورد في اجتماع بعض الأحزاب السياسية الكوردية، المُنعقد في قامشلو قبل أيام، حيث حُمل المجلس مسؤولية فشل الوفد، وتوصيفه بالوقوف في غير الصف الكوردي. البيان حمل طابع تصعيد سياسي سلمي واضح، واضعاً كُل حمولة الفشل وغياب حركة الوفد الكوردي المنبثق عن كونفرانس 26نيسان 2025، في ملعب قوات…