مرسوم الاعتراف… حين تُمنَح الحقوق بوصفها مِنّة

صبحي دقوري

ليس كل اعتراف اعترافًا، ولا كل مرسوم تصحيحًا للتاريخ. فالمرسوم الذي أصدره أحمد الشرع بخصوص الأكراد في سوريا لا يمكن قراءته بوصفه اختراقًا وطنيًا كبيرًا بقدر ما هو محاولة متأخرة لإعادة ترتيب اللغة السياسية للدولة دون المساس بجوهر بنيتها الإقصائية.

الخطأ الأول في هذا المرسوم أنه يتعامل مع حقوق الأكراد كما لو كانت هبة سيادية، لا حقوقًا أصيلة سُلبت لعقود. فاللغة المستخدمة، مهما بدت تصالحية، تنطلق من منطق “المنح” لا من منطق “الاسترداد”. وهذا فارق جوهري: من يمنح يستطيع أن يسحب، أما ما يُستردّ فلا يخضع للمزاج السياسي.

المرسوم يعترف باللغة الكردية، نعم، لكنه لا يعترف بالإنسان الكردي بوصفه فاعلًا سياسيًا كامل الأهلية. يعترف بالثقافة، لكنه يتجنّب السياسة. يعترف بالتراث، لكنه يصمت عن السلطة. وكأن المطلوب من الأكراد أن يكونوا مكوّنًا فلكلوريًا داخل الدولة، لا شركاء في تقرير شكلها ومستقبلها.

الأخطر من ذلك أن المرسوم لا يمسّ أصل المأساة: الدولة المركزية الصلبة التي لا ترى في التعدّد إلا خطرًا مؤجّلًا. لا حديث عن دستور جديد، ولا عن ضمانات غير قابلة للتراجع، ولا عن إعادة تعريف مفهوم المواطنة خارج ثنائية الأكثرية والأقلية. كل ما في الأمر هو إعادة تزيين الخطاب، لا تفكيك البنية.

أما التوقيت، فهو وحده كافٍ لزرع الشك. مرسوم يصدر في لحظة توتّر عسكري وضغط دولي لا يُقرأ خارج سياق إدارة الأزمة. حين تُستَحضر الحقوق في لحظة الصراع، تصبح عرضة للاستخدام كأدوات تهدئة، لا كأسس عدالة. والتاريخ السوري مليء بنصوص جميلة اللغة، فارغة الأثر.

ثم إن غياب آليات التنفيذ ليس تفصيلًا إداريًا، بل جوهر المشكلة. ما قيمة الاعتراف بلغة لا يُحدَّد موقعها في التعليم الرسمي؟ ما قيمة الإقرار بالهوية إذا لم تُحمَ بقانون أعلى من المرسوم؟ وما معنى “لغة وطنية” بلا مؤسسات، وبلا ميزانيات، وبلا ضمانات استمرارية؟

إن هذا المرسوم، بصيغته الحالية، لا يعيد للأكراد ما سُلب، بل يطلب منهم أن يثقوا مرة أخرى بدولة لم تعتذر، ولم تحاسب، ولم تعترف صراحة بمسؤوليتها عن سياسات الإنكار والتجريد من الجنسية والقمع الثقافي. يطلب منهم التصفيق للخطوة، بدل مساءلة الطريق.

الاعتراف الحقيقي لا يكون بنص فوقي، بل بعقد اجتماعي جديد. لا يكون بمرسوم قابل للتجميد، بل بدستور يحمي التعدّد من نزوات السلطة. ولا يكون بالحديث عن الثقافة فقط، بل بالاعتراف السياسي الكامل، من اللامركزية إلى الشراكة في القرار.

لهذا، فإن هذا المرسوم، مهما بدا متقدّمًا مقارنة بالماضي، يظل أقل بكثير من العدالة، وأقرب إلى إدارة الرموز منه إلى تصحيح الجذور. هو خطوة إلى الأمام في اللغة، وخطوتان إلى الخلف في السياسة.

والسؤال الحقيقي لا هو: ماذا قال المرسوم؟

بل: لماذا قيل الآن؟ وماذا لم يجرؤ على قوله؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…