شادي حاجي
يثير المرسوم الصادر عن رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع رقم (13) لعام 2026، الذي يؤكد أن السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، نقاشاً واسعاً حول طبيعته القانونية، وجدواه السياسية، وقدرته الفعلية على إحداث تحول حقيقي في بنية الدولة وعلاقتها بمكوّن أساسي من مكوّناتها. ومن منظور قانوني ودستوري بحت، لا بد من وضع هذا المرسوم في إطاره الصحيح، بعيداً عن المبالغات أو التقليل غير الموضوعي.
أولاً: المرسوم من حيث التوصيف القانوني
هذا النص، مهما كانت نواياه أو مضامينه، هو مرسوم رئاسي صادر عن السلطة التنفيذية، وليس قانوناً صادراً عن سلطة تشريعية منتخبة، ولا نصاً دستورياً، ولا حتى تعديلاً دستورياً. وبذلك يحتل مرتبة أدنى في هرم القواعد القانونية، ويظل خاضعاً للدستور والقوانين الأساسية، ولا يرقى إلى مستوى القواعد المُحصَّنة أو الدائمة.
ثانياً: قابلية الإلغاء والتعديل
من الناحية القانونية الصرفة، يملك الرئيس الذي أصدر المرسوم سلطة إلغائه أو تعديله متى شاء، كما يملك أي رئيس لاحق الحق ذاته. فالمرسوم لم يصدر عن استفتاء شعبي، ولم يُقرّه مجلس تشريعي، ولا يتمتع بأي حصانة دستورية. بل يمكن حتى تعطيله عملياً عبر الامتناع عن إصدار التعليمات التنفيذية اللازمة، وهو ما يكشف هشاشة أي حقوق تستند فقط إلى مراسيم تنفيذية. فالحقوق غير المُحصَّنة دستورياً تبقى، في أفضل الأحوال، حقوقاً مؤقتة.
ثالثاً: قراءة دستورية في مواد المرسوم
يتضمن المرسوم ما يلي:
المادة الأولى اعترافاً بالكرد، وهو اعتراف ذو رمزية سياسية لا يمكن إنكارها، لكنه يظل إعلان نوايا لا يخلق التزامات دستورية ملزمة، ولا يمنع عودة الخطاب الإقصائي ما لم يُحظر دستورياً.
المادة الثانية، التي تتحدث عن حماية التنوع، جاءت بصياغة عامة تفتقر إلى آليات رقابة أو ضمانات تنفيذ، وتعتمد كلياً على حسن نية السلطة التنفيذية.
المادة الثالثة، الخاصة باللغة الكردية، تظهر إشكاليات قانونية واضحة؛ إذ جرى توصيفها كلغة “وطنية” لا “رسمية”، وربط التعليم بها بشرط الاختيار وبنسبة “ملحوظة” من السكان، وهو مصطلح فضفاض يسهل الالتفاف عليه بقرار إداري أو وزاري.
المادة الرابعة، المتعلقة بالجنسية، تبدو الأقوى من حيث المبدأ، لكنها تظل رهينة صدور قوانين تنفيذية، وتحديث السجلات المدنية، وتوفير آليات قضائية فعّالة. وبدون ذلك، تبقى حبراً على ورق.
أما إعلان عيد النوروز عطلة رسمية في المادة الخامسة، فهو قرار رمزي مهم، لكنه قابل للإلغاء بمرسوم واحد لاحق، ولا يوفر أي حماية سياسية أو قانونية دائمة.
وفي المادة السادسة، يُجرَّم التمييز “وفق القوانين النافذة”، وهي عبارة تُفرغ النص من مضمونه إن لم تكن تلك القوانين موجودة أو مطبّقة فعلياً.
رابعاً: التقييم السياسي للمرسوم
سياسياً، لا يمكن إنكار بعض الإيجابيات: اعتراف رسمي غير مسبوق نسبياً، خطاب وحدوي أقل إنكاراً، معالجة جزئية لملف الإحصاء، ورسالة طمأنة للداخل والخارج. لكن هذه الإيجابيات تقابلها سلبيات جوهرية لا يمكن تجاوزها: غياب الشراكة السياسية، عدم الاعتراف الدستوري، غياب اللامركزية، انعدام الضمانات القضائية المستقلة، وغياب أي تمثيل مؤسسي للكرد. وباختصار، يعالج المرسوم مسألة الهوية، لكنه يتجنب الاقتراب من مسألة السلطة.
خامساً: لماذا الدستور هو الحل؟
من منظور قانوني ودستوري، الجواب واضح وحاسم: تكريس الحقوق في الدستور أفضل بلا تردد. فالنص الدستوري لا يُلغى بمرسوم، ولا يُعدّل إلا بإجراءات معقّدة، وهو ملزم لكل السلطات، ويتيح الطعن بانتهاكه أمام القضاء الدستوري، ويحمي الحقوق حتى من الحاكم نفسه. الفرق الجوهري بين المرسوم والدستور هو الفرق بين إرادة فردية مؤقتة وعقد اجتماعي دائم.
سادساً: خلاصة
يمكن اعتبار المرسوم خطوة سياسية إيجابية، لكنها غير كافية، وحقوق الكرد الواردة فيه تظل غير مُحصَّنة وقابلة للإلغاء أو التفريغ. وهو لا يشكّل حلاً عادلاً أو مستداماً للمسألة الكردية. فالحل الحقيقي لا يكون إدارياً ولا رمزياً، بل دستورياً بامتياز. ومن منظور كردي عقلاني، تبقى القاعدة واضحة: أي حقوق لا تُدستَر، هي حقوق قابلة للانتكاس.
وإلى مستقبل أفضل.