سوريا بين وهم الهوية الواحدة ومحاولات الفتنة… وحق الكرد في الشراكة

آراس اليوسف

على خلفية لقاء أحمد الشرع على قناة شمس من كردستان العراق الناطقة بالعربية، وفي ظل التصعيد السياسي والعسكري المتزايد ضد الكرد في سوريا، تبرز الحاجة إلى تفكيك الخطاب الذي يُعاد إنتاجه اليوم، ليس باعتبارها رأياً إعلامياً معزولاً، بل كجزء من سياق أوسع يترافق مع انتهاكات ميدانية ومحاولات واضحة لزرع الفتنة.

هذا الخطاب لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع تصعيد عسكري وانتهاكات خطيرة، لا سيما ما جرى في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ومع ما يتم التحضير له من معارك جديدة في منطقة تل حافر، ما يجعل من هذا الخطاب غطاءاً سياسياً لممارسات تهدد السلم الأهلي وتعيد إنتاج منطق الصراع بدل البحث عن حلول حقيقية.

لماذا ثار السوريون؟

من المهم تصحيح واحدة من أكثر المغالطات شيوعاً في هذا النقاش.

لم يخرج العرب، ولا السنة في سوريا، ضد نظام الأسد بسبب مشاكل هوية أو لغة أو ثقافة، بل خرجوا بسبب الظلم والاستبداد والاضطهاد واحتكار السلطة وإنكار الشراكة.

فرغم أن الأغلبية السنية لم تكن حاكمة فعلياً باعتبارها أغلبية، إلا أنها كانت مُدمَجة ضمن بنية النظام:

لغتها كانت لغة الدولة الرسمية، ثقافتها هي السائدة والمحمية، اسم الدولة عربياً، الدستور اشترط أن يكون الرئيس مسلماً، التعليم الديني الإسلامي حاضراً منذ المرحلة الابتدائية، والمساجد منتشرة، والمؤسسات المدنية والعسكرية ضمّت بأغلبيتها شخصيات سنية، دون أي اضطهاد قائماً على أساس اللغة أو الدين أو الثقافة، وكان تاريخ بني أمية جزءاً من المناهج الرسمية.

ومع ذلك، اندلعت الثورة.

ما يثبت أن المشكلة لم تكن في الهوية، بل في غياب العدالة واحتكار القرار وحرمان الناس من الشراكة الحقيقية.

ومن هنا يُطرح السؤال الجوهري اليوم:

إذا لم تكن الحقوق الثقافية واللغوية كافيةً لمنع الثورة عند الأغلبية، فلماذا يُراد حصر حقوق الكرد في سوريا بالثقافة واللغة فقط، وكأن الكرد مجرد فولكلوراً، لا شعباً له حق الشراكة السياسية والضمانات الدستورية؟

ماذا يريد الكرد؟

المطالب الكردية ليست استثنائيةً ولا تهديداً لوحدة البلاد.

الكرد لا يطالبون بإلغاء هوية سوريا، ولا باستبدال ثقافةٍ بأخرى، بل يطالبون بـ:

الاعتراف الدستوري بلغتهم وثقافتهم وإرثهم الحضارياً.

الشراكة الحقيقية في إدارة الدولة، لا التمثيل الشكلياً.

نظام حكم لا مركزياً يمنع احتكار السلطة.

ضمانات قانونيةً تمنع تكرار سياسات التنكيل والإنكار.

حماية وجودهم باعتبارهم مكوّناً أصيلاً من سوريا.

 

شارك المقال :

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…