شادي حاجي
تتجاوز الهجمة الإعلامية والسياسية المتصاعدة ضد الشعب الكردي في سوريا حدود السجال السياسي المشروع، لتدخل في نطاق التحريض القومي المنهجي، وهو تحريض يرقى، وفق المعايير القانونية الدولية، إلى خطاب كراهية يهدد السلم الأهلي وينتهك أبسط قواعد العمل الإعلامي والسياسي المسؤول. فبدل أن تكون وسائل الإعلام فضاءً للنقاش العام الرشيد، يجري توظيف بعضها كأدوات للتشويه والإقصاء وبث الصور النمطية العدائية.
وتتبنّى بعض وسائل الإعلام المحسوبة على السلطة المؤقتة في دمشق هذا الخطاب الإقصائي، فيما تواكبه أحياناً منصات عربية عبر تشويه متعمد للوجود القومي والسياسي الكردي، ووصم مطالبه الجماعية بصفات تجريمية تفتقر إلى أي أساس قانوني. هذا التراكم الخطابي لا يشكّل خرقاً لأخلاقيات المهنة الإعلامية فحسب، بل يتعارض صراحة مع المعايير الدولية لحرية التعبير، التي تميّز بوضوح بين النقد السياسي المشروع وبين خطاب التحريض القائم على الانتماء القومي أو السياسي.
ومن منظور قانوني–سياسي، فإن تجاهل السلطة المؤقتة في دمشق للوفد الكردي السياسي المشترك، وامتناعها عن فتح مسار تفاوضي جاد معه، يُعد انتهاكاً لمبدأ الشمولية السياسية، وهو مبدأ جوهري في أي عملية انتقال سياسي ذات مصداقية. وقد أكدت قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالشأن السوري، ولا سيما القرار 2254، على ضرورة مشاركة جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء أو تهميش، باعتبار ذلك شرطاً لبناء تسوية مستدامة.
وفي هذا السياق، تكتسب حادثة إقصاء ممثلين سياسيين متوافق عليهم داخل المجتمع الكردي من المؤتمر الذي عُقد تحت عنوان “وحدة الصف والموقف الكردي” في مدينة قامشلو بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2025 دلالة سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي. فهذا الإقصاء لا يمسّ حدثاً بعينه، بل يعكس ذهنية إنكار بنيوية تُقوّض أي تصور لشراكة وطنية مستقبلية، إذ لا يمكن بناء دولة جامعة على قاعدة استبعاد أحد مكوّناتها الفاعلة. ويجمع الفقه الدستوري المقارن على أن وحدة الدول لا تُصان عبر الإلغاء والإنكار، بل عبر الاعتراف بالتعددية وضمان الحقوق الفردية والجماعية ضمن إطار الدولة الواحدة.
وتبرز هنا مسؤولية الإعلام بوصفه فاعلاً قانونياً وأخلاقياً، لا مجرد ناقل محايد للأحداث. فشيطنة الكرد في الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي تمثل مخالفة واضحة لمبدأ عدم التمييز المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يحظران أي تمييز قائم على العرق أو اللغة أو الانتماء القومي. كما أن تصوير مكوّن قومي بأكمله بوصفه تهديداً أمنياً أو سياسياً يفتح الباب، قانونياً وأخلاقياً، لتبرير انتهاكات لاحقة بحقه.
وفي المقابل، يُثار أحياناً، من منظور قانون الإعلام، تساؤل حول مدى مشروعية إلغاء بث لقاءات أو مواد إعلامية مثيرة للجدل. من حيث المبدأ، تتمتع القنوات التلفزيونية بحقها التحريري في تقرير ما يُبث وما لا يُبث، ولا تُلزم قانوناً ببث مادة مسجّلة إذا تبيّن لاحقاً أنها تنتهك القانون أو قد تعرّض الوسيلة الإعلامية للمساءلة. ويُعد قرار إلغاء البث سليماً متى استند إلى مبررات واضحة، كاحتواء المحتوى على خطاب كراهية أو تحريض على العنف أو الإقصاء، وهي أفعال تُجرّمها غالبية التشريعات الإعلامية، وتحمّل الوسيلة الإعلامية مسؤولية قانونية في حال بثّها مع العلم بطبيعتها.
أما الادعاء بأن مثل هذه القرارات تمثل “رقابة مسبقة”، فلا يستقيم قانوناً، إذ إن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً، بل تُقيَّد لحماية النظام العام والسلم الأهلي وحقوق الآخرين. كما أن المؤسسة الإعلامية ليست جهة دولة ملزمة بإتاحة منبر لجميع الآراء، بل كيان مستقل له سياسة تحريرية ومسؤولية مجتمعية وقانونية.
الأخطر في المشهد السوري الراهن أن التحريض الإعلامي ضد الكرد يترافق مع استمرار ذهنية الدولة المركزية الإقصائية، لا ذهنية سلطة انتقالية يُفترض بها تفكيك إرث الاستبداد. فبدل الانتقال نحو عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية واحترام التعددية والاعتراف بحقوق وخصوصيات المكونات السورية، يُعاد إنتاج خطاب الإلغاء والتخوين، ولكن بأدوات إعلامية أكثر حدّة ووضوحاً.
إن القضية الكردية في سوريا ليست مسألة “امتيازات” كما يحلو للبعض تصويرها، بل قضية حقوق دستورية مؤجلة، تتعلق بالاعتراف بالهوية واللغة والمشاركة السياسية العادلة. وهذه الحقوق لا تُمنح بوصفها منّة سياسية، بل تُقرّ باعتبارها استحقاقاً قانونياً نابعاً من مبدأ المساواة بين المواطنين.
ختاماً، لا يمكن لأي مسار سياسي في سوريا أن يكتسب شرعية قانونية أو وطنية حقيقية ما لم يُبنَ على الاعتراف الصريح بالشعب الكردي كشريك كامل في الوطن، وعلى وقف التحريض الإعلامي ضده، وفتح حوار سياسي جاد مع ممثليه. ففي بلدٍ أنهكه الاستبداد والانقسام، لا يكون القانون أداة إقصاء، بل الجسر الأخير المتبقي لإنقاذ ما تبقى من معنى الدولة والمواطنة معاً.