د. محمود عباس
لن يطول الوقت حتى تنكشف ما يجري في أروقة القصر الجمهوري بدمشق، والأوامر التي وصلت مباشرة من أنقرة، ووضعت أحمد الجولاني أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الرضوخ الكامل للمطالب التركية، وفي مقدمتها رفع سقف العداء لقوات قسد ومحاربة الإدارة الذاتية، أو البقاء في الظل، خلف الستارة، مع تقديم أسعد الشيباني إلى الواجهة السياسية. وهذا الخيار الأخير بات واضحًا في الممارسة، إذ توسعت صلاحيات وزير الخارجية لتتجاوز مهامه التقليدية، وتشمل ملفات من اختصاص رئيس الجمهورية، بل ووزيري الدفاع والداخلية.
فما يجري اليوم من خلافات بين ما يُسمّى الحكومة السورية الانتقالية من جهة، وقوات قسد والإدارة الذاتية من جهة أخرى، ليس نزاعًا خارجيًا بين دولتين، بل هو صراع داخلي بامتياز بين مكونات سورية، ومع ذلك أُسندت إدارته إلى أسعد الشيباني، في محاولة لإضفاء طابع دبلوماسي على صراع أمني–سياسي تتحكم به أنقرة.
في هذا السياق، فضّل أحمد الشرع التراجع خطوة إلى الخلف، وإعادة ارتداء عباءة الجولاني، والامتثال للإملاءات التركية، حفاظًا على موقعه ومكانته. فالشرع براغماتي بطبعه، ولا يريد أن يخسر الرصيد الذي بناه داخل المكوّن السني عمومًا، ولا أن يسمح لمن كانوا من أتباعه بتجاوزه. وهو المعروف بحدّة القيادة ورفض التبعية، وهي السمات ذاتها التي دفعته سابقًا إلى مواجهة أبو بكر البغدادي، والانشقاق عن داعش، ثم الالتحاق بالقاعدة، والتفرّد بقيادة النصرة، وصولًا إلى هيئة تحرير الشام.
كما يدرك الشرع أن الدعم السعودي أو الخليجي، إن وُجد، لن يكون كافيًا لضمان استمرار الغطاء الأميركي لحكومته، في ظل غياب الرعاية التركية. لذلك، لم يكن غريبًا أن يرفع منسوب خطابه العدائي ضد قوات قسد والإدارة الذاتية، مع محاولة مكشوفة للفصل بين الكورد بوصفهم مكوّنًا، وبين القوة العسكرية التي تحمي مناطقهم. وهو الخطاب ذاته الذي تروّج له حكومة أنقرة منذ أكثر من عقد.
غير أن هذا الخطاب يبقى مطعونًا في صدقيته؛ فلا أحمد الشرع ولا تركيا فتحا يومًا بابًا جديًا للحوار مع الهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو، ولا مع المجلس الوطني الكوردي، الذي كان لعقود أحد أقطاب هيئة الائتلاف المرتبطة بتركيا. بل إن ما نشرته قناة «شمس» حول الأسباب التي دفعت إلى إلغاء نشر الحوار الذي جرى قبل يومين مع أحمد الشرع شكّل دليلًا إضافيًا على طبيعة المستنقع السياسي والأمني الذي يغوص فيه، وعلى حجم الضغوط المحيطة بالقصر الجمهوري.
لكن الأخطر من ذلك كلّه، هو سوء فهم طبيعة «المكوّن السنّي» نفسه، وما يجري توظيفه باسمه اليوم.
وهنا تكمن المفارقة التي يجري تجاهلها عمدًا: الكورد هم جزء أصيل من المكوّن السنّي في سوريا، لكنهم يمثّلون نسخته الليبرالية، المدنية، ذات الثقافة العصرية. كما أن قوات قسد وقوى الإدارة الذاتية هي قوى كوردية تنتمي إلى هذا المكوّن السنّي، لكنها تحمل رؤية حديثة للدولة والمجتمع. ومع ذلك، لا تعتبرهم التنظيمات التكفيرية جزءًا ممن تدّعي تمثيلهم، بل تحاربهم وتشيطنهم، وأحيانًا تُكفّرهم، لأنها ترى في هذا النموذج السنّي المختلف خطرًا وجوديًا يفضح زيف ادّعائها. فهذه التنظيمات لا تدافع عن السنّة بقدر ما تستخدمهم غطاءً مرحليًا، وتستهدف كل من يختلف عنها في الرؤية ونمط الحياة، بما في ذلك سنّة آخرون.
غير أن هذه «الوحدة» القسرية مؤقتة؛ فحين تهدأ الجبهات وتنتفي الحاجة إلى العدو المصنَّع، ستطفو التناقضات البنيوية إلى السطح، ويتحوّل الصراع إلى اقتتال داخلي داخل المكوّن السنّي ذاته. فالاصطفاف الحالي حول «الشرع» ليس سوى تمجيد مرحلي تغذّيه كراهية الماضي ورغبة الانتقام، لا وحدة فكرية أو مذهبية حقيقية. ومع انتهاء هذه المرحلة، ستنفجر الخلافات المؤجَّلة حول التأويل الديني والزعامة وتقاسم السلطة، لينقلب التمجيد إلى صراع سنّي–سنّي، لأن ما جرى تأجيله لم يُحلّ، بل دُفن مؤقتًا تحت ضغط الحرب.
وهنا يطرح السؤال نفسه، بعدما يخرج الشرع من خلف الستارة بعد الانتهاء من غرب الفرات، وبعد استكمال المخطط التركي لمحاربة قوات قسد؟ هل ستعود اللحمة بين طرفي الصراع داخل السلطة الانتقالية، أي بين أبي محمد الجولاني وأسعد الشيباني؟ المؤشرات توحي بعكس ذلك؛ فالشرخ بينهما بات قائمًا، وقابلًا للاتساع داخل المنظمات التابعة لهما، بل ستظهر جليا بين المكون السني عامة، وسيبنى الصراع على المنهجية الفكرية، سواء بعد انتهاء معركة غرب الفرات، أو في حال فُرضت هدنة بين الحكومة الانتقالية والمكونات السورية.
لكن هذا السيناريو الأخير تحديدًا هو ما لا تريده تركيا إطلاقًا. فأنقرة لا تريد لسوريا أن تستقر أو تتماسك، بل تريدها دولة هشة، قابلة للتحكم، بحكومة ضعيفة وشخصيات مرتهنة، مع تجنّب توسيع الصراع مع إسرائيل، والاكتفاء بسجالات إعلامية، تتيح لها الاستمرار في احتلال شمال سوريا بأقل كلفة ممكن، والصفقة التي تمت بين هاكان فيدان وزير خارجية تركيا، وصهر ترامب كوشنير ويتكوف والسفير الإسرائيلي في واشنطن عن الجانب الإسرائيلي، بوجود الشيباني كشكل تبين ما نحدد بصدده، علما أن هاكان فيدان لم يكن من ضمن الوفود المفاوضة في باريس.
وعلى الأرجح، لن تدوم هذه المعادلة طويلًا. فالتآكل الداخلي داخل المكوّن السني نفسه، والكورد بوصفهم جزءًا أصيلًا من هذا النسيج، مرشّح للتفاقم، ولا يُستبعد أن تتوسع الحرب الأهلية الجارية. وفي كل الأحوال، تبقى تركيا المستفيد الأكبر من هذا التفكك، ولذلك لا تتردد في تأجيجه ودفعه إلى أقصى حدوده.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
13/1/2026م