ما الذي تغير بين مرحلتين سوريتين أليمتين: من بشار الأسد إلى أحمد الشرع

إبراهيم اليوسف

 

بشار الأسد بين خياري المواجهة:

الاعتذار أم إعلان الحرب؟

نتذكر جميعاً كيف أنه في آذار 2011، تعرّض أطفال في درعا للتعذيب داخل فرع أمني. كما نتذكر أن المسؤول المباشر كان رئيس فرع الأمن السياسي المدعو عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، الذي نُسب إليه تعذيب أطفال درعا، بدعوى كتابتهم على أحد الجدران عبارات تستهدف بشار الأسد. تلك الواقعة معروفة من قبلنا جميعاً، ولم تعد سرية، ولم تكن موضع شك، إذ ثمة أسماء معروفة من أبناء مدينة درعا، وعائلات خرجت مطالبة بإعادة أطفالها.

في تلك اللحظة، امتلك بشار الأسد خياراً واضحاً: عزل قريبه المسؤول، محاسبته، تقديم اعتذار رسمي، وفتح مسار يمنع تكرار الفعل. إلا أن ذلك لم يحدث. تجسّد قراره في ترك الضابط الأمني في موقعه، وتكثيف ممارسة القمع، كي تخرج ضده بعد أيام قليلة أولى التظاهرات، ثم توسعت، وتحولت البلاد إلى مسرح مفتوح لممارسة العنف، وهو ما انعكس على سوريا والسوريين وأدّى إلى ما نحن عليه، وتم إسقاط بشار الأسد فعلياً منذ العام 2011، حتى وإن ظل مستمراً في الجلوس على كرسي السلطة، بموجب سند كفالة إقليمي أممي، حتى 8 كانون الأول 2024.

أجل، ما جرى أن آلة النظام استخدمت القوة المفرطة: اعتقالات جماعية. قتل تحت التعذيب، تهجير، تدمير مدن، فاتحة بهذا باب التدخلات الخارجية، وقد بدأ كل ذلك، من مجرد حالة تعنت وتعجرف وتعملق، واستهتار بمطلب محق للسوريين، من خلال رفض معالجة جريمة محددة. مفضوحة، في وقتها. هذه الواقعة ا لم تُقفل في توقيتها المطلوب، ما أدرى إلى فتح باب لا يُغلق على النظام حتى أسقطه ورأسه، لأن رأس الدولة اختار حماية القريب- الأرعن- لا حماية الشعب، أو مصير البلد. ما أدى إلى أن يغدو العنف، منذ تلك اللحظة، أداة حكم ثابتة، إلى أن سقط الحكم والحاكم وبات كل هؤلاء: الرئيس وعاطف نجيب ومن مع هذه الآلة في أسوأ حال لائقة بهم.

 

درس سوري جديد:

التاريخ يعيد دورته!

وكما نعلم أنه بعد سقوط الطاغية بشار الأسد بموجب اتفاق: إسرائيلي- تركي- روسي- أمريكي إلخ، ظهر اسم أحمد الشرع في سياق مختلف، خارج بنية الدولة، رغم أن سجلّه في العراق وسوريا جد معروف، من خلال تهمة ارتكابه جرائم قتل وموصوفة، إلا أنه من خلال تحولات ميدانية وسياسية، أُتيحت له فرصة إعلان قطيعة واضحة مع ذلك الماضي- ولدى السوريين هذه الروح حقيقة- كي يتخلص ضمنياً من إطاره الضيق الذي ظهر من خلاله في العراق ومن ثم إدلب، والانتقال إلى موقع سياسي جديد، يفترض مراجعة الذات- ولو ضمنياً- والاعتراف الذاتي بالانتهاكات، والسعي الحثيث لوقف دوامة العنف، وضمان سلامة المدنيين، واحترام التعدد، من أجل قبوله لدى السوريين، من خلال هذا التغيير، لا عبر آلة الرعب المعتمدة على امتداد عقود من تاريخ سوريا. هذا الخيار كان متاحاً، وكان سيُحدث فرقاً فعلياً، فيما لو طبق، إلا أن الشرع لم يخرج من إطار ذلك العقل الدكتاتوري، وإن في لباس حريري، ما جرَ سوريا إلى ثلاث مواجهات دامية بحق: العلويين- الدروز- الكرد، بلغ عدد ضحاياها الآلاف، من دون أن يستفيد من تجربة سلفه، أو حتى من تجربته بعيد أول مجزرة مفتعلة من قبل قواته المشكلة على أساس ميليشاوي متعطش للحرب والمجازر في الساحل السوري.

 

الاستقواء بالخارج:

من الأسد إلى الشرع

اعتمد بشار الأسد، منذ الأسابيع الأولى لثورة آذار 2011، على العامل الخارجي باعتباره ركيزة أساسية لاستمرار حكمه. فقد جرى الاستقواء بإيران عبر الحرس الثوري والميليشيات التابعة له، ثم بروسيا من خلال التدخل العسكري المباشر، وبحزب الله كقوة ميدانية، في ظل سكوت أمريكي محسوب، تأسس على معادلة واضحة: ضبط الإيقاع، منع سقوط شامل، والسماح باستخدام العنف إلى الحد الذي يضمن بقاء السلطة من دون كلفة دولية حاسمة. ضمن هذه المعادلة، حصل النظام على هامش واسع لارتكاب مجازر موثقة، طالما أنها لا تخلّ بالتوازنات الإقليمية والدولية.

ومانراه في ضوء مجرد سنة مضت أن نظام أحمد الشرع فاق سابقه في منطق الاستقواء بالخارج، بل أعاد إنتاجه، وبزه، بصيغة أكثر مباشرة . حيث بات يتصرف وفق ما يمكن وسمه باستحصال رخصة قتل سياسية، ظهرت بوضوح في المجازر التي ارتُكبت بحق الحيين الكرديين في مدينة حلب. توقيت هذه المجازر لم يكن معزولاً عن السياق الإقليمي. فبعد انتهاء لقاء أسعد الشيباني مع الإسرائيليين في فرنسا مباشرة- وبينما هو لايزال على متن طائرة العودة إلى دمشق- جرى الانتقال إلى إعلان الحرب على كرد الحيين، ضمن غرفة عمليات شاركت فيها أطراف تركية بشكل مباشر، من خلال ترجمة التحريض بالدعم الميداني. هذا التزامن- نفسه- لا يمكن فصله عن منح ضوء أخضر سياسي إقليمي، سمح باستخدام العنف الواسع ضد المدنيين، خارج أي إطار قانوني أوأية مساءلة.

ما الذي جرى في الحيين الكرديين؟

ما جرى في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب لا يمكن اعتباره إلا كعملية عسكرية واسعة نُفذت ضد حيين مدنيين مأهولين بالسكان، فقد جرى الهجوم باستخدام قوة كبيرة ومنظمة، شارك فيها نحو 42 ألف مسلح، و110 دبابات، و57 آلية مدرعة، إضافة إلى أربع طائرات تركية مسيّرة من طراز بيرقدار، ناهيك عن 67 هجوماً منفصلاً بالطائرات المسيّرة. حيث اُستخدمت في العملية أسلحة ثقيلة داخل مناطق سكنية، شملت راجمات غراد وكاتيوشا، المدفعية الثقيلة، والدبابات، ما يؤكد أن طبيعة الهجوم لم تكن اشتباكاً محدوداً، بل قصفاً مباشراً لأحياء مدنية خارج أي سياق عسكري مشروع.

نُفذ الهجوم عبر تشكيلات مسلحة معروفة بالاسم والقيادة، من بينها الفرقة 60 والفرقة 80 بقيادة أبو قتيبة منبج، والفرقة 76 بقيادة سيف الدين أبو بكر وفيصل حمزة والمدعومة مباشرة من تركيا، إضافة إلى الفرقة 72 بإشراف خطاب ألماني. هذه المعطيات تتضمن أسماء وقيادات وأرقاماً موثقة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها ادعاءات غير مثبتة.

وكان يمكن حل مشكلة وجود الشرطة العسكرية في الحيين والذي تم وفق اتفاق بين الطرفين: قسد ونظام الشرع، بموجب الاتفاق بين الجنرال مظلوم عبدي والمكلف ذاته بالرئاسة السورية أحمد الشرع، من دون إسالة مجرد نقطة دم، إلا أن تركيا كانت المحرض الرئيس في خيانة النظام للاتفاق المبرم بين وقوات سوريا الديمقراطية.

الأسد والجولاني:

الالتقاء والافتراق!

فما جرى خلال فترة سنة واحدة من مجازر في سوريا فاق عشرين سنة من حكم الأسدين: كل منهما في عشريته الأولى، حيث سُجلت انتهاكات واسعة بحق جماعات دينية وقومية متعددة، من مسيحيين تعرضوا للقتل والتهجير. دروز استُهدفوا في مناطقهم. علويين خضعوا لتصفية جماعية. كرد وُضعوا في خانة العداء الدائم. ولهذا فإن الوقائع لم تأتِ من جهة مكون مغاير واحد، بل من وقائع متنوعة، وعبر وقائع وشهادات ميدانية متقاطعة، باعتبار أن العنف لم يكن رداً انفعالياً، ظرفياً، وإنما من جراء سياسة قائمة على إخضاع المجتمع بالقوة.

ولو دققنا، في تكوين الشخصيتين الدمويتين، من حيث الشكل، فإن الرجلين يختلفان. إذ إن بشار الأسد استخدم مؤسسات الدولة: الجيش، الأمن، القضاء الشكلي. بينما استخدم أحمد الشرع تشكيلات ميليشاوية مسلحة، وارتجل تأسيس محاكم خاصة، وخطاباً دينياً مغايراً ومناقضاً حتى لجوهر الدين نفسه، من خلال التعامل مع المكونات الوطنية، إلا أن النتيجة- من حيث الجوهر- بقيت واحدة، حيث: المواطن المدني ظل هدفاً. وأن الاختلاف- في الرؤية- صار مدعاة للعقاب. السلاح صار بديلاً عن القانون، كما أن المحاسبة غابت في الحالتين، إذ وُجد في كلتيهما خطاب يسوغ. في الحالة الأولى، قيل إن ما يجري دفاع عن الدولة. في الحالة الثانية، قيل إن ما يجري حماية للمجتمع أو للدين. في الواقع، الضحايا لم يتغيروا. القتلى لم يختفوا. المدن المدمرة لم تُبنَ. العائلات المهجرة لم تعد. تبرير القتل لم يغيّر حقيقة القتل.

الفارق الوحيد يمكن رصده في آلية الانتشار. في عهد بشار الأسد، كان مركز القرار واحداً، والجريمة تنطلق من رأس واضح. في عهد أحمد الشرع، توزعت مراكز العنف، وتعددت الجهات المنفذة، ما صعّب تحديد المسؤولية المباشرة، وسهّل الإنكار. هذا لم يخفف الضرر، بل زاده، لأن الضحية باتت تواجه عنفاً بلا عنوان محدد.

الفرص الضائعة في التجربتين متشابهة. فرصة أولى لإيقاف جريمة في بدايتها. فرصة ثانية للانتقال إلى فضاء وطني مختلف. في كلتا المرتين، اعتمد خيار العنف، رغم إن هذا الخيار لم يكن اضطراراً، بل قراراً معتمداً بسبب سايكولوجيا الحاكم، واعتماده على مستشارين، وأصحاب حسابات فيسبوكية أو تيكتوكية، متسطحة، نهازة، وفي أفضل الحالات: إعلاميي النظام السابق، أو إعلاميي الحرب: من المعارضة والموالاة الذين اختاروا هذا المجال بسبب المردود الذي كان يدر عليهم. هذا القرار- تحديداً- أنتج خياراً واحداً، أدى إلى مصير واحد، أيديولوجياً أو إسلاموياً، مهما اختلفت الأسماء والرايات.

من هنا، فإن السؤال عن التغيير المطلوب لا يتعلق بالشخصيات، بل بمنظومة الرؤى العميقة. إذ طالما أن آلة الحكم تأسست واستقوت على الإفلات من العقاب، وعلى تحويل السلاح إلى أداة إدارة، فإن النتيجة تظل واحدة، وهكذا فإن الطاغية بشار الأسد لم يضع حداً لجريمة درعا، ففتح باب الحرب على السوريين وعلى حكمة وعلويي البلاد حتى أكثريتهم الذين لا شأن لهم به وعلى أسرته ونفسه. بينما أحمد الشرع لم يقرأ صفحة ماضيه التي كان في إمكان السوريين نسيانهاـ ولم يقرأ جرائم جماعته والفصائل التي اعتمدها، فوسّع دائرة الدم، ليكون حكمه- في مجرد سنة سورية بائسة- استمراراً لعهد نظام استبدادي.

كل ما سبق يؤكد أن التغيير لم يحدث في طبيعة تعطش المستبد إلى خيار الدم، بل في شكل إدارتها. في كيفية صناعة المصطلح التسويغي، لأن ما تغير هو الاسم وحده، إذ إن أحمد غير بشار، الأيديولوجيا تغيّرت في قشورها، الخطاب تغير، أما استرخاص دماء المواطنين فلم يبق ثابتاً، بل إن عدد المجازر في مجرد سنة من حكم الشرع بز عددها في عشرين سنة من حكم السفاحين الأسدين. وحال السوريين ستظل كما هي طالما إن الطفل يُقتل كأنه مجرد بعوضة، والمسن يُقتل كأنه مجرد ذبابة- حاشاهما-، والمختلف يُصفّى في صورة مجرم بعد حملة تشويه عبر وسائل إعلام السلطة ونشر ثقافة الكراهية على نحو سريع بما يتناسب مع ما يناسب معادلة السنة مقابل العشرين سنة، لأن كره: الكرد- الدروز- المسيحيين- لم يكن في يوم ما -هكذا- على هذا النحو، ما يدعونا أن نطرح السؤال التالي: من يحاسب من طالما أن الضحية في صورة الجزار بينما الداعشي في صورة الملاك الطاهر؟ ومن يملك الجرأة على إيقاف المجزرة السورية المفتوحة قبل أن تتحول إلى نظام حكم يستمر سنوات من دراما دموية تدميرية سورية مقبلة، تتنافى وحلم سائر السوريين التائقين إلى الحرية، رغم إن إعلام النظام وآلته يظهران طوابير الهاتفين باسمه، تماماً، كما كان يتم في عهد سلفيه الأسدين.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة كما تتكاثر الخرائط المزوّرة، وتُعاد فيه صياغة اللغة لا لتقول الحقيقة بل لتخفيها، يصبح الدفاع عن الاسم دفاعا عن الوجود ذاته. فالأسماء ليست حيادية في التاريخ، وليست مجرّد إشارات لغوية بريئة، بل هي عناوين للذاكرة، وشفرات للهوية، ومفاتيح للحق. حين يُستبدل اسم كردستان بتعابير فضفاضة مثل «أخوة الشعوب» و«الأمة الديمقراطية» و«الاندماج الديمقراطي» و«شمال…

نورالدين عمر تتصاعد في الآونة الأخيرة أصوات بعض الناشطين والمثقفين المطالبة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من اتفاقية 10 آذار، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: ما هو البديل الواقعي؟ إن الاندفاع نحو الانسحاب في ظل هذه الظروف المعقدة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، منها: ماذا لو تحالفت السلطة في دمشق مع أنقرة لشن هجوم منسق على مناطق شمال…

هجار أمين في أروقة السياسة الكردية في أربيل ودمشق والقامشلي، تتناقل الأوساط السياسية أحاديث عن فصل جديد يُكتب في ملف كرد سوريا، فالرئيس مسعود بارزاني، بثقله التاريخي وخبرته الدبلوماسية، يبدو جاهزاً لقيادة مرحلة دقيقة وحاسمة، قد تُعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. في قاعة مفترضة، تجلس وفود ثلاثة: ممثلون لسلطة دمشق بوجوه محنكة، تحمل ورقة “الوحدة الترابية” كشماعة لكل حديث. ومقابلهم،…

د. محمود عباس   في سوريا اليوم، لا يعود قصر الشعب مجرد مقرّ حكم أو رمز سيادي، بل يتحول إلى مرآة مكثّفة لانهيار فكرة الدولة نفسها. فهذا القصر، حيث يقيم الرئيس أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، يقوم فوق أرض رخوة من الشرعية المؤجلة، لا لأنه نتاج انتقال ديمقراطي، بل لأنه ثمرة تسوية دولية هشّة مع تنظيم كان،…