طه عيسى بوزان
جميعنا يطالب السلطة المؤقتة في دمشق بأن تفعل هذا أو ذاك، وجميعنا يستغرب من سلوكياتها التي لا توحي بسلوكيات دولة، رغم أنها بأمسّ الحاجة إلى الدعم الشعبي والتفاف جميع المكوّنات السورية حولها. ولعلّ كل واحدٍ منا يقول في نفسه: لو كنتُ أنا، أو لو كنّا نحن، في مكانهم، لعقدنا مؤتمرًا وطنيًا جامعًا لكل المكوّنات السورية، تخرج عنه حكومة وطنية تقود البلاد نحو الاستقرار والازدهار.
الحقيقة أن كل ما يدور في داخلنا وكل ما نحلم به صحيح ومشروع.
لكن السؤال الجوهري هو: لماذا يحدث كل هذا في سوريا؟ ولماذا تسير هذه السلطة عكس طموحات الشعب السوري، بل وحتى عكس المسار الطبيعي لانتصار أي ثورة في العالم؟
الجواب، للأسف، واضح:
هذه السلطة، بخلفيتها الراديكالية، لم تُساق إلى دمشق من أجل الشعب السوري، ولم تصل لأن الثورة انتصرت، بل لأنها أداة في مشروع أكبر حان فيه وقت تغيير خرائط المنطقة بأدوات خبيثة تُستخدم دون أي اعتبار للثمن الذي يدفعه الشعب السوري بكل مكوّناته، من قتل ودمار وتهجير وتغيير ديمغرافي، يتكرر في أكثر من مكان وبالأسلوب والأدوات نفسها.
ولو عدنا قليلًا إلى الوراء، إلى ما جرى في جرمانا والصحنايا في دمشق بحق إخوتنا الدروز، وكذلك إلى ما حصل بحق الإخوة العلويين في دمشق وحمص وحماة، لوجدنا أن الهدف لم يكن أمنيًا ولا عفويًا، بل كان ترهيبهم ودفعهم قسرًا إلى الهجرة نحو مناطقهم الأصلية، تمهيدًا لعملية تقسيم متَّفق عليها دوليًا.
وما حدث في الأحياء الكردية، الأشرفية والشيخ مقصود مؤخراً وما رافقه من مجازر تندى لها جبين البشرية بحق سكان هذه الأحياء، وسط صمت دولي مطبق، يؤكد أن اللمسات الأخيرة لمشروع تغيير الخرائط في المنطقة قد وُضعت. بل إن تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ بين قوى دولية وإقليمية يبدو أنه حُسم في غرف مغلقة، ربما كان آخرها في باريس، حيث التقى المتصارعون هناك، ويقطع الشك باليقين أن هذه السلطة لا تملك من أمرها شيئًا، بل تنفّذ ما جيء بها من أجله.
وقد يسأل أحدهم:
وما مصلحة هذه السلطة في تنفيذ كل هذه الأوامر وارتكاب المجازر خدمةً لهذا المشروع؟
الجواب بسيط:
هل كانت هذه المجموعات، المصنّفة على قوائم الإرهاب العالمية، تحلم أن تبقى محصورة في إدلب وتحكمها، لو سقط الأسد على يد قوى سورية أخرى؟
مصلحتها تكمن في توسيع مساحة إدلب، ولو لسنوات معدودة، أو ربما تحويلها لاحقًا إلى مملكة سنّية ” طبعًا دون مكوّنات ” تنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، شأنها شأن بعض دول الخليج، وتعيش في رخاء طالما أنها لا تشكّل خطرًا على إسرائيل.
في الحقيقة، قد تصبّ هذه التطورات، في نهاية المطاف، في مصلحة بعض المكوّنات السورية، كالكرد والدروز والعلويين، من حيث تمكينهم من تقرير مصيرهم بأنفسهم.
لكن ما يؤلم حقًا، في ظل هذه الفوضى التي سُمّيت يومًا “خلاّقة ” ثم تحوّلت إلى فوضى مجازر، هو هذا السؤال الأخلاقي الكبير:
طالما أنكم متّفقون على تغيير الخرائط وتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ، فلماذا لا تفعلون ذلك بطرق أقلّ دموية؟ ولماذا لا تُجنِّبون الأبرياء كل هذا القتل والتهجير وهذه الويلات؟
١٢/٠١/٢٠٢٦