تهديد الوجود الكوردي في سوريا.. تحذير من كارثة إنسانية في ظل التعثر السياسي

زينه عبدي

في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين دمشق وقسد.

تجاوزات تؤجج النزاع القائم أكثر مما هو عليه، كما أن ممارسات السلطة الانتقالية تثبت وبقوة تصعيد مجريات الأحداث في حيي الأشرفية والشيخ مقصود الكورديين، بل والدفع نحو التطهير العرقي والقتل على الهوية على غرار أحداث السويداء والساحل.

لماذا هذين الحيين؟

ما يجري من أحداث في حيي الأشرفية والشيخ مقصود مرتبطة بصورة مباشرة بالتغيرات الجيوسياسية والسياق السياسي السوري الداخلي، الذي بات ممنهجاً بل وعقابياً على وجه الخصوص ضد الكورد. جغرافية هذين الحيين ذات رمزية خاصة بالنسبة للكورد ثقافياً وقومياً وتاريخياً، ويمثلان أحد أهم معاقل الهوية الكوردية لاسيما سياسياً ومجتمعياً رغم محاولة العديد من الأطراف الإقليمية تهميشها أو إقصائها.

رغم الادعاءات من قبل السلطات الانتقالية فيما يتعلق بالأحداث الجارية على هذين الحيين، منذ سقوط الأسد وإلى الآن، والتي تعزيها لأسباب أمنية وحق الدفاع عن النفس عسكرياً، إلا أن الممارسات تثبت العكس حيث التوقيت والفئة المستهدفة من الكورد وأساليب الهجوم والسياسة المتبعة عن سابق رصد وإصرار للدفع بالشعب الكوردي نحو النزوح والتهجير إكراهاً وقسراً وسحبها أرضه التاريخية منه.

ما يتعرض لهما (الأشرفية والشيخ مقصود) من استهدافات منظمة ومجدولة، ليس إلا رسالة مفادها أن الكورد أينما تواجدوا فهم معرضون للخطر والتهديد بالقتل والإبادة، رغم التصريحات المتتالية من السلطة الانتقالية بضرورة الوجود الكوردي والتأكيد أنهم شركاء بالوطن، وهذا ما يشاهَد حالياً حيث مطالب الكورد الواضحة عسكرياً وسياسياً قد قوبلت بالهجوم عليهم داخل هذه الجغرافية في حلب التي باتت تعاقَب على الهوية الكوردية، حيث الإقصاء على أساس الانتماء الكوردي، لذا صار هذان الحيان مسرحاً للردع السياسي من قبل السلطات الانتقالية بمساعدة إقليمية.

رمزية هذين الحيين تفرض على العقلية البعثية العفلقية والمعاد إنتاجها داخل ذهنية السلطة الانتقالية ومؤيديها، إعادة بلورة الإطار الديموغرافي داخل الجغرافيات التي يقطنها الكورد كما حصل، ولايزال، في مدينة عفرين الكوردية. لذا الحالة هنا لا تعد مختلفة عن سابقاتها، إنما امتداد لما بدؤوا به من سياسات التغيير الديموغرافي إدارياً وسكانياً.

أعتقد أن أكثر ما يؤسس لبؤرة الخطر الحقيقي في سياق ما يجري هو هالة صمت وجمود محاطة من قبل كافة الأطراف السورية والإقليمية والدولية، رغم أن ما يحدث ضمن الحيين هو جزء لا يتجزأ من الملف السوري، لكنني أعتقد أنه رضا علني من الجميع في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا. هنا السلطة التي تحكم سوريا انتقالياً إما أن تعترف بالمكون الكوردي الأصيل والموجود على أرضه التاريخية داخل الدستور السوري، أو أن تنتهك حضوره ووجوده بغية إلغائه والقضاء عليه. وهذا ما يبعث برسالة مفادها الرفض التام لما يسمى بسوريا الدولة (دولة المواطنة) التي تجمع لا تقصي، والتأسيس للشرعية وطنياً ودولياً على المستويين الأخلاقي والسياسي. فالدفاع عن أي جزء من هذه الجغرافية ستعزز المواطنة والقبول بالتعدد فضلاً عن أنه واجب وطني.

إعاقة اتفاق العاشر من آذار

كان من المفترض أن تشكل اتفاقية العاشر من آذار مرجعاً أساسياً للمواطنة الفاعلة ومساراً فعلياً للشراكة الحقيقة سياسياً بين السلطة الانتقالية والكورد لخلق حالة من الاستقرار والتوازن بين موقفي الطرفين بما يضمن حقوق الجميع، والذي وُصِف على المستوى الوطني أنه إنجاز سياسي للبدء ببناء سوريا الجديدة، إلا أن التدخل التركي المباشر، ودون مراعاة لسيادة وحقوق الدولة وخصوصيتها، في شؤون سوريا لاسيما في مناطق شمال شرق، وازدياد وتيرته في الآونة الأخيرة كلما اقترب موعد التفاهمات بين دمشق وقسد، وما يحصل في حيي الأشرفية والشيخ مقصود أشرس دليل على نواياها العاطلة وسياستها الواضحة تجاه الاستقرار السوري، عبر زج طاقاتها سياسياً وعسكرياً، لإبقاء العلاقة بين الكورد ودمشق في خانة التوترات والصراعات المستمرة، خوفاً من تمدد هذا الاستقرار في الداخل التركي بالنسبة للكورد، وهذا ما سيؤثر سلباً عليها.

في المقابل، تروج السلطة الانتقالية عبر خطابها الرسمي وغير الرسمي التزامها التام بتنفيذ بنود هذه الاتفاقية، لكن الواقع يعكس مدى جدية خرقها للاتفاقية بعيداً عن منطق التفاهمات السياسية التي جرت ولاتزال، عبر ما تقوم به حالياً من تهجير قسري ومتعمد للشعب الكوردي من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حالةٍ تشبه إلى حد كبير الإبادة الكوردية بصورة جماعية، وصمتها إزاء ما يجري، إضافةً إلى التغييب التام لطرق وآليات التنفيذ رغم مرور أكثر من عشرة أشهر على توقيعها.

هذه المفارقة والازدواجية بين النسق الخطابي وبين الواقع التنفيذي والسياسات العملية يقوِّض الثقة السياسية بالاتفاقية ويحولها إلى اتفاق نوايا غير معلوم وغير ملزم، لذا يفترض على السلطة الانتقالية أن تلزم نفسها بمسؤولية ما يجري حالياً، والدفاع عن الكوردي كما الآخر وليس العمل على تهجيره وقتله على هويته وتحويله لأداة وتوظيفها في سياقات سياسية خدمةً لمصالحها على المستوى الدولي قبل الوطني.

التحذيرات من الإبادة

الممارسات الفعلية على الحيين الكورديين وبصورة أدق ضد الشعب الكوردي بصورة، تنذر بخطر الإبادة، الازدياد في وتيرة التحذيرات وفقاً لملامح ومعطيات وقرائن أولية لما يحدث في الأشرفية والشيخ مقصود يتجاوز حدود التكهنات بالتهديدات أو ما يسمى بمقاربات من قبل قطاع الإعلام لاسيما الرسمي منه الذي يتبنى خطاباً خطيراً يبث الكراهية ضد المكون الكوردي عبر عدائه لقوات سوريا الديمقراطية ومحاربتها، ما يعني اختلال الاتساق والفجوة بين القول والفعل وادعاءاتها المتمثلة بأن الكورد شركاء الوطن وجزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الوطني.

في السياق ذاته، هذا المسار التذي تنتهجه السلطة الانتقالية صار واضحاً أنه وُضِع بغية الاستهداف المباشر للكورد ووجودهم التاريخي على أرضهم التاريخية، ما يعني أنه نموذج يعتمد سياسة القضاء على الكورد بصورة جماعية متجاوزاً منطق ومبدأ الضغوط الأمنية والعسكرية على حدٍّ سواء.

السياق أو الإطار السياسي من قبل السلطة الانتقالية بات يؤدي إلى سلسلة من الانتهاكات المتكررة ضد الشعب الكوردي، الذي يعد أكثر خطورةً من قصف المدنيين بشكل مباشر، ما يعني تكريس واقع لإعادة إنتاج أحداث 2011 مجدداً نتيجة تخطيط مسبق وتصميم متعمد.

الممارسات التي تتبعها السلطة الانتقالية من ترهيب وتخويف وتهجير قسري، ليس إلا وسيلة للتغيير الديموغرافي، الأمر الذي يطلق إنذاراً مبكراً لمعالم وقرائن لارتكاب جرائم ضد الإنسانية بأطر جماعية. على المستوى السياسي، جميع التحذيرات توحي بالمسؤولية المضاعفة التي يجب على السلطة الانتقالية في دمشق أخذها على عاتقها بروح وطنية جامعة لا تفريقية أو إقصائية أو بما يسمى تواطئها مع ما يجري واستثماره لتكريس ثقافة العقل المركزي العفلقي والبعثي التي تفتقد لأدنى المعايير الأخلاقية والسياسية والشراكة الفاعلة والحقيقية.

من ناحية أخرى، إن التجاهل المتعمد للتحذيرات يحول هذا الصراع الوجودي إلى منصة للتدويل يضر الكورد أكثر مما يفيدهم دون توفير أدنى مقومات الحماية. تعد هذه التحذيرات مناشدة حقيقية وطلب استغاثة عاجل لتقديم الدعم اللازم للشعب الكوردي قانونياً وسياسياً بغية حماية هويته وتاريخه وأرضه، حيث الدفاع عن الكورد في سوريا لا يعد انحيازاً من قبل أي طرف محلي أو إقليمي أو دولي، بل يعتبر تصدياً حقيقياً لكافة الانتهاكات من تطرف وإقصاء وقمع، وصونا مشروعاً عن المبادئ التي ستبنى عليها الدولة السورية المقبلة (إن بنيت).

ختاماً، الاستهداف المباشر لحيي الشيخ مقصود والأشرفية انعكاس حقيقي مباشر للقضاء على الوجود الكوردي عبر محاربة السلطة الانتقالية لقوات سوريا الديمقراطية، وارتكاب المجازر في محاولة لإجراء تغيير ديموغرافي وإعادة هيكلة البنية السكانية في الحيين الكورديين، ويظل اتفاق العاشر من آذار في مساره التعطيلي لا التنفيذي بفعل التدخلات التركية المعمقة. لذا من الواجب الوطني على السلطة الانتقالية والدولي الوقوف إلى جانب الكورد وحمايتهم، وليس الاعتداء وتصعيد العنف ضدهم، بغية عدم الانجرار والإقدام أكثر على القيام بأعمال عنف وانتهاكات مستمرة بحق الكورد كما في السابق الأليم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

سيروان بركو   بعد نكسة حزيران 1967، خرج جمال عبد الناصر إلى الناس. لم يختبئ خلف بيانات غامضة، ولم يُحِل الكارثة إلى “مؤامرات” و“ظروف دولية” فقط. قال بوضوح: أنا أتحمّل المسؤولية. ثم أعلن استقالته. لم تكن الاستقالة حلاً سحرياً، ولم تُعد سيناء، ولم تُرمّم الجراح. لكنها كانت لحظة أخلاقية نادرة تاريخية: لحظة يعترف فيها القائد أن الهزيمة ليست قدراً، بل…