حين تُدار المعارك بلا سياسة

طلال محمد

في عالم السياسة، لا تُخاض الصراعات من أجل المبادئ كما يُروَّج لها في الخطابات، بل تُدار وفق حسابات المصالح.. من لا يفهم هذه القاعدة منذ البداية، غالباً ما يدفع ثمنها لاحقاً.. كثير من القوى المحلية في المنطقة وقعت في هذا الفخ، حين اعتقدت أن الدعم الخارجي يمكن أن يتحول إلى ضمان دائم أو شراكة طويلة الأمد.

ما حدث في بعض مناطق حلب مؤخراً، وما رافقه من تصعيد عسكري، لم يكن منفصلاً عن المشهد الإقليمي العام، فقد استُخدم الميدان لتحسين مواقع تفاوضية في ملفات أكبر، ثم تراجع الاهتمام فجأة، ووجد من كانوا في الواجهة أنفسهم وحدهم أمام واقع مختلف تماماً، هذا التحول لم يكن مفاجئاً لمن يراقب السياسة الدولية بعيون مفتوحة، لكنه صدم من اعتادوا قراءة الأحداث من زاوية واحدة.

في الواقع، القوى الكبرى لا تنظر إلى التفاصيل المحلية بالطريقة التي ينظر بها أبناء المنطقة، فهي لا ترى أسماء القرى ولا تعرف تعقيدات المجتمع، بل ترى خرائط ومصالح وأرقام، وحين تنتهي الحاجة إلى ورقة ما، يتم تجاوزها ببساطة. لا غضب، ولا وفاء، ولا حساب للخسائر البشرية التي تُترك خلفها.

إن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في هذا السلوك المعروف للقوى الخارجية، بل في طريقة تعاطي من يملكون القرار محلياً مع هذه الحقائق. في شمال شرق سوريا، كان واضحاً خلال السنوات الماضية غياب أي إدارة سياسية جماعية حقيقية للأزمات، إذ لم تُشكَّل غرفة عمليات سياسية تجمع مختلف القوى الفاعلة، مهمتها التعامل مع التحولات بسرعة ومرونة، فالقرار بقي محصوراً في دائرة ضيقة، تُدار الملفات الكبرى بعقلية أمنية أو عسكرية، بينما تُترك السياسة في الهامش. وعندما جاءت اللحظات الحرجة، ظهر الارتباك، وتضاربت الرسائل، وغاب الصوت الواحد القادر على التفاوض أو حتى شرح الموقف للرأي العام المحلي.. هذا الإخفاق لم يكن تفصيلاً، بل كان أحد الأسباب الرئيسية في ضعف الموقف العام وتراجع القدرة على المناورة.

إن غياب العمل السياسي المشترك جعل المجتمع نفسه خارج المعادلة. الأحزاب، النخب، والمكونات الاجتماعية لم تكن شريكة في القرار، بل متلقية لنتائجه فقط. وحين تُقصى السياسة، تصبح البنادق وحدها في الواجهة، ومع الوقت تتحول من وسيلة ضغط إلى عبء ثقيل لا يحمي أحداً.

الأخطر أن الاستمرار في هذا النهج يراكم الخسائر دون أفق واضح، فالميدان وحده لا يصنع مستقبلاً، والقوة العسكرية بلا رؤية سياسية تصبح مكلفة وغير قادرة على حماية من تقاتل باسمهم، وكلما طال الانتظار، تقل الخيارات وتزداد الشروط صعوبة.

إن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيداً من الشعارات، ولا تعويلاً على مواقف خارجية متقلبة، بل مراجعة صريحة للأخطاء، والاعتراف بأن إدارة الصراع بلا سياسة مشتركة كانت مقامرة خاسرة.. من يملك القرار لا يزال أمامه وقت محدود لتغيير أسلوب التفكير، أما الاستمرار في المسار نفسه فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاستنزاف، دون أن يحقق الأمن أو الاستقرار الذي ينتظره الناس.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل   لا تُقاس مكانة الدول العظمى بعدد المعارك التي تربحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. والتاريخ مليء بأمثلة لدول خرجت متفوقة عسكريًا، لكنها فقدت مكانتها الدولية بسبب إخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية. لقد دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم، وحقق تفوقًا عسكريًا في معظم مراحل الحرب، لكنه…

حسن قاسم منذ عام 1957، مع تأسيس أول تنظيم سياسي قومي كوردي في سوريا حمل على عاتقه الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكوردي، وحتى اليوم، لم تشهد أدوات وأساليب النضال السياسي الكوردي التحول المطلوب الذي تفرضه طبيعة المرحلة. فعلى امتداد عقود طويلة، بقيت البنية التنظيمية للأحزاب الكوردية أسيرة أساليب تقليدية، بينما تغيّر العالم من حولها سياسياً وتقنياً واجتماعياً. هذه الجمودات…

نظام مير محمدي *   كلما اندلعت انتفاضة في إيران، وتعالت أصوات المطالبين بإسقاط الدكتاتورية الدينية، عادت إلى الواجهة محاولات لإحياء بقايا نظام الشاه وتقديمها بوصفها البديل السياسي للنظام القائم. ولم يعد هذا المشهد مجرد تزامن، بل أصبح نمطاً متكرراً كلما اشتدت الضغوط على نظام الملالي واتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية. هذه الظاهرة تكشف تقاطع مصالح بين طرفين يبدوان متخاصمين، لكنهما…

أعلن الكاتب والسياسي الكردي صلاح بدر الدين قرب صدور كتابه الجديد “الكرد في الثورة السورية” عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، والذي يتناول مشاركة الكرد في الثورة السورية منذ انطلاقها عام 2011 وحتى التطورات التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، وذلك وفق ما نشره موقع تلفزيون سوريا. ويعرض الكتاب، بحسب المؤلف، رؤية توثيقية لتجربة الكرد خلال سنوات الثورة، مسلطا الضوء…