حسن برو
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة.
وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة النطاق وغير متكافئة.
الهجوم تمّ عبره حشد عسكري هائل شمل ما يزيد على 80 دبابة، وأكثر من 60 قطعة مدفعية ثقيلة ومتوسطة، إضافة إلى منصات إطلاق صواريخ وأنواع مختلفة من الأسلحة، وجرى ذلك بدعم مباشر في السلاح والتقنية من الجيش التركي.
ورغم هذا التفوق العسكري الكاسح، واجهت هذه القوة المحدودة من عناصر الأسايش، إلى جانب الأهالي، الهجوم بمقاومة لا يمكن وصفها إلا بالملحمية.
فحصرُ كل هذه الترسانة العسكرية في رقعة جغرافية لا تتجاوز – كما وصفها بعض الإعلاميين – «شارعين ونصف»يدل على حقيقة واحدة أن المدافعين كانوا مؤمنين بقضيتهم، ومستعدين لبذل الغالي والنفيس دفاعا عن كرامة الحيين وسكانهما.
وقد تجسدت هذه الروح القتالية في ما قدّمه البطل زياد حلب ومجموعته الصغيرة، الذين ظهروا كرجال ميدان حقيقيين يتحركون بثبات وشجاعة، ويلحقون بالمهاجمين خسائر فادحة رغم شحّ الإمكانات.
أما الأصوات التي تقول إن هذه المقاومة «غير مجدية» فأقول بوضوح: إن صمود الحيّين لمدة خمسة أيام تحت هذا الكم الهائل من النيران الكثيفة كفيل بأن يجبر أي مهاجم مهما بلغت قوته، على إعادة حساباته مليون مرة لا ألف مرة قبل التفكير في شن هجوم جديد، ليس فقط على الشيخ مقصود والأشرفية، بل على أي منطقة أخرى تخضع لقوات سوريا الديمقراطية.
لطالما قيل إن للانتصار أباءكثر، بينما يتحمل الهزيمة شخص واحد.
ورغم الخسائر الكبيرة في الأرواح والممتلكات، فإنني أرى فيما جرى انتصار سياسي وأخلاقي تحقق في ظل تكالب قوى إقليمية وعلى رأسها تركيا، وقوى دولية في مقدمتها التحالف الدولي، الذي اختار الصمت أو التواطؤ.
ويأتي كل ذلك – برأيي – في سياق أوسع يهدف إلى التغطية على ما يمكن وصفه بـ«بيع الجنوب لإسرائيل»، وهو ما تشير إليه التسريبات المرتبطة باللقاءات التي جرت في باريس، والتي وقعها أسعد الشيباني، في محاولة لمنح أنصار السلطة المؤقتة «انتصارا وهميا» يصرف الأنظار عن ذلك الحدث الخطير، وذلك على حساب الدم والدمار في الشيخ مقصود والأشرفية.
وقد كشفت التسريبات التي نشرتها صحيفة المونيتور أن الشيباني كان طرفا أساسيا في إفشال محادثات الرابع من كانون الثاني/يناير، بعد اتصال مباشر مع تركيا، التي حضرت بدورها في الكواليساللقاء خلال اتفاق باريس بينه وبين الحكومة السورية المؤقتة.
ويبدو أن توم باراك فضل السماح باندلاع مواجهة محدودة في الحيين لإرضاء أنقرة، ومنع تطور الوضع إلى حرب أوسع ضد شمال وشرق سوريا.
وهذا في تقديري، يفسر السبب الرئيسي وراء امتناع قوات سوريا الديمقراطية عن فتح جبهات أو القيام بأي تحرك عسكري باتجاه مناطق سيطرة السلطة السورية المؤقتة رغم الاستفزازات المتكررة.
بالنهاية يبقى هذا هو تقييمي لما جرى في الحيّين الكرديين، الشيخ مقصود والأشرفية؛ حيان قدما نموذجا نادرا في الصمود والمقاومة، وسيسجل ما فعلاه يوما ما في تاريخ حلب، وفي الذاكرة الوطنية السورية، كصفحة من صفحات الكرامة التي لا تمحى.