حين تُصبح المكوّنات العدو الأقرب!

كفاح محمود

 في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول.

  لننظر إلى المشهد بلا رتوش، في سوريا، وبينما تُرفع شعارات الوحدة وإعادة البناء، تتواصل اليوم في حلب أحداثٌ مأساوية: نزوحٌ جديد، أحياءٌ تتبدّل السيطرة عليها تحت ضغط السلاح، وقلقٌ جماعي من تكرار دورات الانتقام والعقاب الجماعي، والأشدّ ألمًا أن الإدارة السورية الجديدة تُظهر مرونةً محسوبة حين يتصل الأمر بخصوم الخارج أو بتفاهمات الضرورة، لكنها تُحسن استخدام لغة الشروط الأمنية حين تُطرح أسئلة الشراكة الداخلية.

  وقبل حلب، كانت العلاقة مع الدروز والعلويين شاهدًا إضافيًا على اختلال البوصلة: بدل بناء عقد مواطنة يطمئن الجميع، تتقدّم لغة التخوين والفرز الاجتماعي، فتتعاظم المخاوف، وتُؤجَّل المصالحة، ويُستبدل الحوار الحقيقي بإدارة أزمة طويلة الأمد، أما مع الكورد، فتتكرر المعادلة ذاتها: مطالبُ بالحقوق والاعتراف والضمانات تُقابل بالتماهل والتشدد، وكأن الداخل لا يستحق ما يُمنح للخارج من حسابات باردة.

  وفي العراق، تُدار العلاقات مع واشنطن ضمن مصالح وتشابكات معروفة، لكن حين يصل الملف إلى إقليم كوردستان وحقوقه الدستورية ولقمة عيش مواطنيه، تُستولد إشكاليات لا تنتهي: رواتبٌ تُقطع أو تُؤجَّل، وميزانياتٌ تُستخدم كورقة ضغط، وخطابٌ سياسي يُزايد على الشراكة بدل أن يصونها، ومع صعود التيارات الطائفية، يتحوّل الإقليم من شريكٍ دستوري إلى خصمٍ داخلي، وتصبح لغة الحقوق أقل حضورًا من لغة المناكفة والابتزاز.

 

  ثم تأتي تركيا وإيران كنسختين متقاربتين في جوهر السلوك: مرونةٌ واسعة مع من يسمّونهم أعداء حين تتطلب المصالح ذلك، وخشونةٌ مفرطة حين يتعلق الأمر بالكورد وغيرهم داخل الحدود أو حولها، تركيا قد تُدير علاقاتٍ معقّدة وتفاهماتٍ إقليمية متغيّرة، لكنها كثيرًا ما تعود في ملف الكورد إلى مربع الأمننة بدل المواطنة، وإيران، في لحظات الحاجة، تُجيد لغة التفاوض والتهدئة مع الخارج، لكنها تُضيّق على الداخل حين تتصل المسألة بالحقوق والتمثيل والحريات.

  السؤال إذن ليس: لماذا تتفاوض هذه الأنظمة؟ فالتفاوض أداة دولة وقد يكون ضرورة، السؤال الأدق: لماذا تتحول مطالب الداخل إلى تهديد وجودي، بينما يُعامل الخارج كطرف يمكن احتواؤه أو مقايضته؟ ولماذا يُقدَّم الأمن ذريعةً دائمة لتعليق السياسة وتعطيل الشراكة وشيطنة أي اختلاف؟

  الجواب غالبًا يرتبط بفلسفة الحكم، الخارج يُدار بمعادلات مصالح وضمانات وأوراق ضغط، ثم اتفاق أو تهدئة، أما الداخل فيطلب حقوقًا واعترافًا وتوزيعًا عادلًا للسلطة والثروة ضمن دولة مواطنة، وهذه مطالب إن تحققت تُضعف منطق السلطة المطلقة، وتُقلّص نفوذ الأجهزة، وتُربك شبكات الزبائنية والامتيازات، وتفتح باب المساءلة؛ لذلك تُفضّل بعض الأنظمة إبقاء الداخل في حالة نزاع مُدار: أزمة لا تنتهي، ملف لا يُغلق، وتفاهمٌ بلا سقف.

  الخلاصة المُرّة: عندما يصبح المواطن آخر الأولويات، تتحول المكوّنات إلى شماعات، وتغدو الدولة ساحة صراع دائم بدل أن تكون مظلة جامعة، والمخرج ليس في مزيد من الشعارات، بل في قاعدة بسيطة: اعتراف متبادل، شراكة دستورية واضحة، ومؤسسات تقيس الولاء بالكفاءة لا بالهوية، حينها فقط يصبح الداخل أولى بالاتفاق من الخارج… ويعود الوطن إلى أصحابه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محسن مجدل اليوسف في الاونة الأخيرة تتعرض الجزيرة السورية إلى هجمة سياسية وجغرافية واجتماعية شرسة من قبل بعض المثقين العروبيين الحاقدين على الكورد، لتغيير حقيقة ان الكورد هم السكان الأصليين لها ويحاولون إثبات ذلك بشتى الوسائل. و بالمقابل يحاول المثقفون الشرفاء الملتزمين والغيورين بإظهار هذه الحقائق والوثائق التاريخية و كذلك إظهار الحقيقة و إن ما يصبون إليه هؤلاء العروبيون…

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…