إبراهيم اليوسف
اتصل بي الصديق أحمد نعسو، في اليوم الأول، من انتفاضة آذار2004، وقال لي: استعد لتقديم مداخلة عما يتم في قامشلي- قبل أن أغادرها- لفضائية- العربية- ولم تمض دقائق حتى اتصل بي أحد موظفي” العلاقات” في الفضائية، وقال: في الساعة- كذا ليلاً- سنتصل بك حول ما يجري في قامشلي، ليتصل بي آخر بعد مرور بعض الوقت، قائلاً: ما الذي ستقوله خلال البث على الهواء؟ فشرحت له الجاري، كإعلامي، وشاهد عيان، وكنت صاحب رؤية، و أول من قال عبر فضائية- روج- قبل ساعات من هذا الحوار، إن ما يجري ليس حرباً بين عرب وكرد، وإنما هي حرب آلة النظام على الكرد، العبارة التي رددت فيما بعد كثيراً. الشخص الثاني الذي اتصل بي، اعتذر مني، قائلاً: هذا التصريح لا يمكن قوله عبر فضائيتنا. قلت له: أنا صحفي ومسؤول عما أقول إلا أنه ودعني، ومضى، ولم يعد إلي.
في اليوم التالي أعلمني الصديق أحمد أن السفير السوري في الإمارات تدخل- ضمن العلاقات الدبلوماسية المتعارف عليها- على أن تتم التهدئة، وعدم استضافة من هم غير مضمونين، ما جعل أمثال المدعو علي الشعيبي وغيره يدلون بتصريحات كاذبة ملفقة، ضد الكرد، في العديد من الفضائيات التي دأبت أن أسميها آنذاك- فضائحيات- هذا الموقف ذكرته للراحل رياض نعسان آغا، في مطعم شارقي بحضور صديقة شاعرة ود. محمد حبش- الذي التقينا لأول مرة- والوزير السابق ذاته، وهو يشرح لنا تأثير زوجته الكردية- بحسب كلامه- عليه ليصطف مع الثورة، بالإضافة إلى شذرات من سيرته مع حافظ الأسد وبشار، فقد عاتبته، على نحو خفيف، على موقفه ذاك، وذلك لأنه بات يحسب على الثورة السورية، وكان بيننا لقاء آخر في مطار استنبول في العام 2015. وأتذكر أنه أول من ذكر اسمي في التلفزيون السوري في العام 1980، وهو يسلط الضوء على مسرحية-القنبلة- من خلال صديقه ومؤلفها: رياض عصمت.
عندما كنت في الإمارات استضافتني- سكاي نيوز- على نحو متواصل، بالإضافة إلى فضائيات أخرى، منها: الجزيرة التي استضافتني في العام 2011، وأنا في الإمارات، مرة أو مرتين، وكان ابني آراس يبث من قامشلي- لقطات المظاهرات، في بداية الثورة، كما استضافتني- العربية- مرات عدة، ولا أدري لم لم أطالبها بما يترتب لي من استحقاقات، وهو ما يدعوني الآن للاعتزاز.
حقيقة، أنا مدين للخليج- بشكل عام- فقد عملت خلال فترة قصيرة في قطر، وغادرتها، بسبب موقفي الوظيفي من الاستخفاف بالمدرسين، وقد تناقشت- بحدية- وأحد إداريي مدرستي التي عملت فيها وهو يتحدث عن”لصوص” مطار دمشق، وعامليه، ناعتاً إياهم بكل سوء، فقد أخذتني حميتي السورية، ورردت عليه، متحدثاً عن مطارات أخرى مدحها، لأستفزه، وبعض داعمي حديثه في جلستنا تلك، إلا أن أخلاق أبناء قطر كانت- في الحقيقة- جد عالية، ولهم مواقف لا ولن أنساها، وإن نشأ لي موقف من نظامها الداعم لأعداء الكرد، منذ احتلال عفرين، على خلاف موقفي من الإمارات التي عملت فيها بضع سنوات في أحد أهم منابرها الصحفية، ولم أجد من أهلها- ولا أعني بعض المقيمين المتحكمين بالوظائف في التربية والإعلام- إلا حسن المعاملة، فقد كانت ملاذاً لي ولأسرتي، في أصعب مرحلة مررنا بها بعد انتفاضة الثاني عشر من آذار2004.
وإن كنت أسوق مثل هذه المقدمة عن بعض المحطات الخليجية التي قد عرفتها، فإنني وفي إطار تبيان موقفي الشخصي أظهر مالي وما علي، من جميل بعض الدول الخليجية التي عرفتها، وسيظل دور إقامتنا في الخليج ديناً في رقبتي، غير أنه من الضرورة أن أبين موقفي الشخصي في الوقت ذاته من بعض المنابر الخليجية، في إطار المطالبة باستقلاليتها، فقد كتبت على سبيل المثال- عن سوءات برنامج الاتجاه المعاكس- في الجزيرة، عندما كان وخياله الأهوج فوق النقد، أكثر من مرة، وها أتفاجأ بأن هذه الفضائية- كما العربية- الحدث، قد تحولت إلى إعلام صحافي- يصحِّف الوقائع، ويزوِّرها، فها نجد تلك الفضائيات تشوه صورة الكردي في حرب نظام حكومة الجولاني- سليلة داعش- ضد الكرد، بل تمكيج صورة هذه الحكومة، بعد أن تبنتها لتوجد في- دمشق- بؤرة وهابية، وهي تسعى لتغيير زمرتها الدموية، وترمي آلاف أطنان الكتب الوهابية في جوامع ومساجد دمشق، ربما ثأراً من السوري الذي لم تستقبله في محنته، كما الكثير من الدول العربية، بينما احتضن الغرب/ الكافر، السوريين.
الكرد خارج الكادر
سقوط الحياد في الامتحان السوري
إن هذا الإعلام الذي تسبب في تشويه صورة الكرد السوريين، ويخفي حصار الحي والقصف الإرهابي عليه من قبل تركيا وفصائلها” المتسورنة”من دون أن ننسى قطع الماء- الكهرباء-حليب الأطفال عن الحيين، مشيدة بفتح الممرات الإنسانية، بعد أخذ القصف مداه- هذا الإعلام- افتقد مصداقيته، ولا ينقص بعض المذيعات والمذيعين في هذه الوسائل إلا أن يخرجوا أحزمتهم الناسفة، من تحت ملابسهم، في مواجهة أي ” مداخل” أو” متحدث” كردي يقدم الوقائع التي تخدش الصور المجملة للربيب، الذي يتم العناية به لأداء دور محدد، ضمن معادلة تناقضات مهيمنة. لهذا فإنني أقدم رؤيتي-هنا- لا من موقع الشاهد الذي يبحث عن تبرئة لمن يرافع عنهم، بل من خلال تجربة صحفي يكتب منذ نصف قرن. صحفي خبر الكلفة الأخلاقية للكلمة/ الموقف، مدركاً أن الإعلام الذي يفرّط بحقيقته يفرّط بنفسه قبل أن يفرّط بالضحايا. وأن أي منبر يتخلى عن مهنيته، ويقفز من فوق الوقائع، ليصطف خلف السرديات الجاهزة، أو التي تصل المذيعة أو المذيع من غرفة- الكونترول- جاهزة، لا ولن يعود فضاء أو مساحة رأي، بل يتحول إلى أداة تزويق، مهما علا صوته أو تعددت شاشاته وتفننت بشاشاته. وما لم يستعد هذا الإعلام شجاعته المتوخاة، شجاعة قول ما لا يريده الرعاة ولا يطيقه المموّلون، وهو سيبقى عاجزاً عن فهم الكردي، عاجزاً عن فهم سوريا، وعاجزاً عن فهم لحظته التاريخية. أجل، إنني هنا، لا أطلب تعاطفاً ولا اعتذاراً، بل أطالب بحق بسيط: أن يُترك الواقع ليتكلم من دون وصاية، وأن يُسمح للحقيقة أن تصل المتابع. المتلقي، من دون مكياج. وإلا فإن هذا الإعلام الهجين سيظل شاهد زور على زمنٍ كان يمكن أن يكون أقل ظلاماً لو قيلت فيه الحقيقة، وكانت الضمائر حية، لاسيما إن الكردي- وأقولها لأولي أمور هؤلاء- خير من وقفوا مع أهلهم العرب، مع إسلامهم، وخسروا حتى خريطتهم، ومجدهم، لصالح شركاء الخريطة، من عرب وفرس وأتراك.