الوضع الكوردي وآماله

سمكو عمر لعلي

 

يمرّ الوضع الكوردي في سوريا بمرحلة دقيقة ومعقّدة، تتشابك فيها التحديات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والتجاذبات الدولية، في مشهد يبعث على القلق والتشاؤم لدى مختلف الأطراف الكوردية. فقد خيّم الإحباط على الأوساط السياسية، سواء لدى قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والأحزاب المتحالفة معها، أم لدى المجلس الوطني الكوردي والأحزاب المنضوية في إطاره، نتيجة استمرار الخلافات وتعثر الوصول إلى رؤية موحّدة تعبّر عن تطلعات الشعب الكوردي وحقوقه المشروعة.

وفي الآونة الأخيرة، تمحورت النقاشات، برعاية ووساطة فرنسية وأمريكية، حول مسألة تشكيل وفد كوردي مشترك يتوجّه إلى دمشق لطرح القضية الكوردية على طاولة الحوار مع القيادة السورية المؤقة. غير أنّ هذه النقاشات، في بداياتها، كشفت عن عمق الهوّة بين الأطراف الكوردية، وأظهرت حالة من عدم الثقة والتباين في المواقف، ما ألقى بظلال من الشك على إمكانية تحقيق اختراق سياسي حقيقي في المدى المنظور.

إلا أنّ المشهد لم يخلُ من بصيص أمل، حيث طرأ تحوّل ملموس في المواقف بفضل التدخل الحكيم للقائد والرئيس مسعود بارزاني، الذي لطالما اضطلع بدور تاريخي في لمّ شمل الصف الكوردي والدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي في مختلف أجزاء كوردستان. وقد شكّل تدخله عامل توازن ورجاحة عقل، أعاد إحياء الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات الداخلية، والانطلاق نحو تفاهم كوردي–كوردي يضع المصلحة العليا للشعب فوق الحسابات الضيقة.

وفي هذا السياق، جاءت مبادرات رئيس إقليم كوردستان، السيد نيجيرفان بارزاني، لفتح قنوات الحوار مع القيادة السورية الحالية، ممثلة بالسيد أحمد الشرع، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة، وسعياً جاداً لبحث سبل تأمين الحقوق الكوردية ضمن إطار الدولة السورية، وبما يضمن شراكة وطنية عادلة ودائمة. إنّ هذا التحرك السياسي يدل على مسؤولية عالية ورغبة صادقة في الوصول إلى حل متوازن، يجنّب المنطقة مزيداً من الصراعات، ويؤسس لاستقرار حقيقي قائم على الاعتراف المتبادل والعدالة السياسية.

غير أنّه لا بد من قول الحقيقة كاملة، فالمسار التفاوضي لا يزال يواجه عراقيل كبيرة، في مقدمتها الضغوطات الخارجية، ولا سيما التركية منها، إلى جانب حالة المراوغة والتردد التي تتسم بها القيادة السورية المؤقتة، والتي تبدو وكأنها تهرب من الدخول في مفاوضات جدّية، رغم كثرة المحاولات والمساعي التي بُذلت في هذا الاتجاه، لكنها للأسف لم تُفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة.

وأمام هذا الواقع المعقّد، يبرز السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح:

هل سيكون عام 2026 عاماً مفصلياً لصالح القضية الكوردية؟

وهل ستتمكن الحركة السياسية الكوردية من الاستفادة من التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، ومن إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط وفق مصالح الدول الكبرى، بحيث يكون الشعب الكوردي جزءًا فاعلًا من هذه المعادلات، لا مجرد ضحية لها؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تبقى مرهونة بمدى قدرة الكورد على توحيد صفوفهم أولًا، وامتلاك خطاب سياسي موحّد وواضح، يستند إلى الواقعية السياسية دون التفريط بالحقوق التاريخية، وبمدى استعداد المجتمع الدولي للتعامل مع القضية الكوردية بوصفها قضية شعب يستحق العدالة والاعتراف، لا كورقة ضغط مؤقتة في لعبة المصالح للدول الكبرى.

 

كوردستان – هولير

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…