السوريون العرب بين الراديكالية المتصاعدة ومخاطر زعزعة استقرار الشرق الأوسط

عبد الرحمن حبش

شهد المجتمع السوري خلال العقدين الأخيرين ولا سيما بعد عام 2011 تحوّلات عميقة في بنيته السياسية والاجتماعية والثقافية انعكست بصورة مباشرة على أنماط التفكير والسلوك العام. وفي قلب هذه التحوّلات برزت ظاهرة تصاعد الخطاب المتشدد داخل قطاعات من السوريين العرب سواءً على المستوى الديني أو القومي أو السياسي الأمر الذي يثير قلقاً متزايداً داخل سوريا وفي محيطها الإقليمي.

لم يأتِ هذا التحول من فراغ بل كان نتاجاً لتراكم طويل من الاستبداد وتهميش الحياة السياسية وتدمير المجال العام، ثم الانفجار العنيف الذي أعقب انهيار الدولة المركزية وتحول الصراع إلى ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية. في ظل هذا الفراغ وجدت التيارات الراديكالية ولا سيما الإسلامية المتشدّدة بيئة خصبة للنمو مستفيدة من الفقر والنزوح وانعدام الأفق السياسي وغياب مشروع وطني جامع.

الأخطر في هذه الظاهرة لا يكمن فقط في وجود جماعات متطرّفة مسلّحة بل في انتقال منطق الإقصاء والتكفير والتخوين من هامش الصراع إلى خطاب اجتماعي أوسع. فقد باتت مفاهيم مثل الحق المطلق والهوية الأحادية والعدو الداخلي حاضرة في النقاشات اليومية سواء في الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي ما يعمّق الانقسامات الطائفية والقومية ويقوّض أي إمكانية لإعادة بناء عقد اجتماعي سوري جامع.

هذا التحول لا يهدّد سوريا وحدها بل يمتد تأثيره إلى مجمل الشرق الأوسط. فسوريا بحكم موقعها الجغرافي وتشابكها الديمغرافي كانت تاريخياً نقطة توازن نسبي بين المشرق العربي وتركيا وإيران. ومع تصاعد التطرف داخل مكوّنها العربي تحولت إلى مصدر قلق أمني وفكري سواء عبر تصدير المقاتلين أو الأفكار الراديكالية أو عبر تغذية صراعات الهويات في دول الجوار.

في المقابل لا يمكن قراءة هذه الظاهرة باعتبارها سمةً طبيعيةً أو جوهرية لدى العرب السوريين. فالغالبية الساحقة من المجتمع السوري كانت ولا تزال ضحية هذا التطرُّف لا حاضنة له. غير أن غياب مشروع سياسي ديمقراطي حقيقي وفشل النخب التقليدية واحتكار الخطاب العام من قبل قوى دينية أو عسكرية دفع شرائح واسعة نحو خيارات متطرفة بوصفها ملاذاً أخيراً في عالم بلا عدالة ولا أمل.

إن معالجة هذا المسار الخطير لا تكون عبر المقاربات الأمنية وحدها بل من خلال تفكيك جذوره السياسية والفكرية إعادة الاعتبار للمواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد القومي والديني وبناء نظام سياسي لا مركزي يضمن مشاركة حقيقية لكل المكوّنات ويقطع الطريق على احتكار الهوية والدين من قبل أي طرف.

ختاماً فإنّ خطرَ التطرُّف داخل المجتمع العربي السوري هو نتيجة أزمة دولة ومشروع لا أزمة هوية أو ثقافة. وأي تجاهل لهذه الحقيقة، أو اللجوء إلى التعميم لن يؤدي إلا إلى تعميق المأساة السورية ودفع الشرق الأوسط نحو مزيد من عدم الاستقرار والصراعات المفتوحة.

 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ملف « ولاتي مه » حول انتخاب رئيس جمهورية العراق (3) ضمن ملفه الخاص حول انتخاب رئيس جمهورية العراق، يواصل موقع «ولاتي مه» تناول الإشكاليات السياسية الكردية المرتبطة بهذا الاستحقاق الدستوري، في ظل الانقسام الداخلي وتداخل التوازنات العراقية الأوسع، وانعكاس ذلك على موقع الكورد ودورهم في بغداد. وفي هذه الحلقة، يقدم الإعلامي والمحلل السياسي الأستاذ محمد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* عشية التحولات المصيرية في إيران، ظهرت علامات انهيار نظام ولاية الفقيه بشكل أوضح من أي وقت مضى. لقد اجتاحت موجة جديدة من الانتفاضات الشعبية مختلف المدن والشرائح الاجتماعية، متحديةً هيكل السلطة المتهالك. وفي مثل هذه الظروف، يثير التنشيط المفاجئ للعناصر التابعة للديكتاتورية السابقة (البلهوية) تساؤلات وشكوكاً جادة. هذه التحركات ليست ظاهرة عفوية، بل هي جزء من…

إبراهيم اليوسف   اتصل بي الصديق أحمد نعسو، في اليوم الأول، من انتفاضة آذار2004، وقال لي: استعد لتقديم مداخلة عما يتم في قامشلي- قبل أن أغادرها- لفضائية- العربية- ولم تمض دقائق حتى اتصل بي أحد موظفي” العلاقات” في الفضائية، وقال: في الساعة- كذا ليلاً- سنتصل بك حول ما يجري في قامشلي، ليتصل بي آخر بعد مرور بعض الوقت، قائلاً: ما…

عبدالعزيز قاسم منذ أيام يشن جيش حكومة الجولاني، وبإسناد تركي مباشر وواضح، حربا مفتوحة على الحيين الكرديين الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حربا ليست كالحروب؛ جيش مجهز يهاجم أحياء سكنية بالصواريخ والدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة بلا أي وجود عسكري مقابل، في محاولة لكسر إرادة السكان وفرض وقائع بالقوة، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب وإبادة جماعية مكتملة…