(001-100) حين تصنع القيمة من موضعها لا من ذاتها

شيركوه محمد

 

في عالمٍ يُقاس فيه كل شيء بالأرقام، تبدو المفارقة أن الأرقام ذاتها قد تحمل معاني متناقضة تبعًا لترتيبها. من هذه المفارقة البسيطة تنطلق هذه المقالة لتفكك مفهوم القيمة، لا بوصفه خاصية كامنة في الأشياء، بل علاقة مركّبة بين المعنى والسياق والموضع. فهل القيمة حقيقة ثابتة، أم نتيجة ترتيب؟ وهل يفقد الشيء معناه لأنه بلا قيمة، أم لأنه وُضع في غير مكانه

فكرة قيمة الشيء بمعناه وتأثيره على واقعه تفتح بابًا فلسفيًا عميقًا لفهم الوجود، لأن القيمة ليست خاصية ثابتة في الأشياء ذاتها، بل علاقة تنشأ بين الشيء وسياقه ومكانه وزمانه وطريقة حضوره.

يمكن تشبيه القيمة بالضوء: فالضوء واحد في جوهره، لكن انعكاسه يختلف باختلاف السطح الذي يسقط عليه. كذلك الأشياء، لا تُقاس قيمتها بما هي عليه فقط، بل بموضعها ضمن نظامٍ ما، وبالعلاقة التي تربطها بغيرها.

الصفر مثالًا: المعنى لا العدد

العدد صفر في ذاته لا يحمل قيمة كمية مستقلة؛ فهو لا يزيد ولا ينقص. لكنه ليس عديم المعنى. الصفر هو إمكانٌ مؤجل، قوة صامتة لا تعمل إلا إذا وُضعت في السياق الصحيح.

عندما نكتب (001) فالصفر هنا عاجز عن التأثير، لأن ترتيبه جاء قبل العدد الذي يمنحه المعنى. أما حين يُكتب (100)، فإن الصفرين لا يضيفان عددًا جديدًا فقط، بل يضاعفان القيمة عشرات المرات.

الفرق ليس في الصفر، بل في مكانه.

المعنى يولد من الترتيب

هذا المثال العددي يعكس حقيقة أوسع، كثير من الأشياء في الحياة لا تكون عديمة القيمة، بل موضوعة في غير موضعها.الكلمة قد تكون عادية، لكنها في جملة مناسبة تصبح مؤثرة.

والإنسان قد يبدو بلا أثر، لا لأنه بلا قيمة، بل لأنه وُضع في بيئة لا تُفَعِّل طاقته.

والفكرة قد تُرفض في زمنٍ ما، ثم تُقدَّس في زمن آخر، دون أن يتغير جوهرها.

القيمة كعلاقة لا كجوهر

نحن نميل إلى الاعتقاد أن القيمة جوهر ثابت، فمثلاً هذا مهم، ذاك تافه.لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ القيمة علاقة، وليست صفة مطلقة.العلاقة بين الشيء ومكانه ،بين الفكرة وسياقها، بين الإنسان ودوره ،بين الزمن والحدث

ما لا قيمة له في سياق، قد يكون جوهريًا في سياق آخر. تمامًا كما أن الصفر أمام العدد لا يُحسب، وخلفه يُضخِّم.

الوجود الإنساني ومعضلة الترتيب

كثير من المآسي الإنسانية لا تنبع من الفراغ، بل من سوء الترتيب ،شخص في موقع لا يشبهه ،موهبة في مكان لا يعترف بها ،صوت في زمن لا يريد سماعه

فيُحكم على الشيء بأنه “بلا قيمة”، بينما المشكلة ليست فيه، بل في موضعه.

الخلاصة

القيمة لا تُستخرج فقط من ماهية الشيء، بل من هندسة وجوده. والحكمة ليست في امتلاك الأشياء العظيمة فقط، بل في معرفة أين نضع الأشياء العادية كي تصبح عظيمة.

كما أن الصفر، رغم صمته، قادر على تغيير المعادلة كاملة إذا وُضع في مكانه الصحيح، كذلك الإنسان، والفكرة، والمعنى.ليس كل ما يبدو صغيرًا تافهًا، وليس كل ما هو صامت بلا أثر؛

أحيانًا، كل ما يحتاجه الشيء هو الترتيب الصحيح ليبدأ في التأثير

الحجر الصغير وحده لا يُبنى به شيء.

لكن اجتماع الأحجار، وفق ترتيب هندسي صحيح، يصنع كومة، ثم جدارًا، ثم بيتًا ،ثم مدينة

والجبال نفسها ليست إلا تراكمات صغيرة امتدت عبر الزمن.القوة هنا ليست في حجم الحجر، بل في استمرارية الجمع وحسن الترتيب.

وهكذا الفرد لا يصنع أمة ،والأمة لا تقوم بلا أفراد

لكن الفارق الحاسم هو كيف يُجمعون، ومن يقودهم، ولماذا

لهذا يجب دائمًا أن نختار القائد قبل أن نعدّ الأتباع ،وأن نبحث عن المعنى قبل الكثرة ، وأن نضع كل شيء في موضعه الطبيعي

فالقيمة لا تولد من الضجيج، بل من النظام.ولا من الكثرة وحدها، بل من الترتيب الصحيح.

وكما أن الصفر بلا واحد عدم، فإن الجماعة بلا قيادة واعية فراغٌ متحرك،

وكما أن الأحجار الصغيرة إذا أُحسن جمعها صارت جبالًا،

فإن الإنسان إذا وُضع في مكانه الصحيح صار أكبر من حجمه، وأثقل من وزنه، وأكثر أثرًا من صوته

 

 

30.12.2025

المانيا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات”…

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…