شيطنة الفيدرالية: كيف يُستعمل الخوف من التقسيم لإسكات النقاش الدستوري؟

شادي حاجي

في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول مستقبل الدولة السورية المتعددة القوميات والأديان والطوائف وشكل نظامها الدستوري، تُستدعى الفيدرالية باعتبارها «مشروع التقسيم» أو «مقدمة لإلغاء الدولة». هذا الخطاب، رغم شيوعه، وخاصة في صفوف السلطة المؤقتة في دمشق وأنصارها، لا يستند إلى أي أساس قانوني بقدر ما يعتمد على التخويف السياسي وخلط المفاهيم، ما يُفرغ النقاش الوطني من مضمونه الحقيقي.

أولاً، الفيدرالية في المفهوم الدستوري لا تعني تفكيك أو تقسيم الدولة، ولا إلغاءها، ولا المساس بوحدتها، بل هي أحد أشكال تنظيم السلطة داخل الدولة الواحدة، تقوم على وحدة السيادة، ووحدة الجنسية، ووحدة التمثيل الدولي، ووحدة الجيش والعملة. هذا توصيف قانوني ثابت في فقه القانون الدستوري المقارن، وليس اجتهاداً سياسياً خاصاً أو طرحاً ظرفياً.

ثانياً، صحيح أن تغيير شكل الدولة لا يحق لأي فئة فرضه بالقوة أو خارج الإرادة الشعبية، لكن في المقابل لا يجوز دستورياً منع أي مكوّن من طرح رؤية سياسية حول شكل الدولة المستقبلية، بما فيها الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة، طالما يتم ذلك عبر الوسائل السلمية والديمقراطية. الحق في طرح الأفكار السياسية هو جزء من المواطنة، وليس نقيضاً لها.

ثالثاً، الأخطر في الخطاب السائد لدى السلطة المؤقتة في دمشق، وكل من يدور في فلكها، هو ربط الفيدرالية بمشاريع انفصالية أو مقارنتها بتجارب غير معترف بها دوليًا. هذا خلط قانوني غير دقيق. الانفصال في القانون الدولي مسار مختلف تماماً عن الفيدرالية في القانون الدستوري الداخلي. الفيدرالية تُنشأ داخل دولة قائمة وبموافقة شعبها، بينما الانفصال يخرج عن هذه الدولة.

رابعاً، القول إن «الشعب السوري لا يقتنع بالفيدرالية» لا يمكن التعامل معه كحقيقة نهائية خارج أي عملية ديمقراطية. في الدول الديمقراطية، قناعات الشعوب تُقاس عبر نقاش عام حر، وإعلام متوازن، وانتخابات واستفتاءات شفافة، لا عبر افتراض مسبق لما يريده الشعب أو لا يريده.

خامساً، المواطنة المتساوية لا تعني أن يتخلى أي مكوّن عن مطالبه السياسية أو الدستورية كشرط للاعتراف به. بل على العكس، المواطنة المتساوية تعني حق الجميع في الدفاع عن تصوراتهم السياسية للدولة ضمن إطار سلمي ودستوري، دون وصم أو تشكيك بالولاء.

سادساً، وحدة سوريا لا يحميها الشكل الإداري للدولة بقدر ما يحميها عقد دستوري عادل، يشعر فيه جميع المواطنين أن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم وخصوصياتهم القومية والدينية والطائفية ( الكرد – العلويين – الدروز – المسيحيين ، وآخرين ) . التجربة التاريخية أثبتت أن المركزية الصارمة لم تكن ضمانة للوحدة، بل كانت سبباً للتهميش والإقصاء والصراع ومازالت في ظل السلطة المؤقتة في دمشق وإعلانها الدستوري المؤقت بعد سقوط نظام الطاغية بشار الأسد .

سابعاً، منطق الأغلبية في الدولة الدستورية ليس منطق فرض، بل منطق توازن. الأغلبية تحكم ضمن الدستور، لكنها لا تملك إلغاء حقوق المكونات الأخرى التي أشرنا إليها أعلاه أو مصادرة حقها في الطرح السياسي أي كان هذا الطرح . هذا مبدأ أساسي في أي نظام ديمقراطي حديث.

أخيراً وليس آخراً:

إن الجدل حول الفيدرالية أو اللامركزية ليس نقاشاً، ولا هو صراعاً، حول «وحدة سوريا أو تقسيمها»، بل هو نقاش حول أفضل صيغة دستورية لإدارة التنوع وضمان الاستقرار.

ولا يُحسم هذا النقاش بالتخوين أو الاتهام، أو شيطنة المفاهيم، بل بالحوار الوطني الجاد الصريح، وصياغة دستورية جامعة وعادلة وواضحة، وآليات ديمقراطية يشارك فيها جميع السوريين على قدم المساواة.

وإلى مستقبل أفضل

ألمانيا في ٣٠/١٢/٢٠٢٥

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…