غياب الشباب عن تنظيمات الأحزاب الكردية أزمة ثقة ومسؤولية التغيير

أحمد تمر

تشهد الساحة السياسية الكردية في سوريا تراجعاً ملحوظًا في انخراط الشباب ضمن تنظيمات وأحزاب الحركة السياسية الكردية، في ظاهرة لم تعد عابرة أو مؤقتة بل تحولت إلى تحد حقيقي يهدد مستقبل العمل السياسي الكردي فالشباب، الذين يفترض أن يكونوا وقود التغيير وصناع المستقبل باتوا اليوم على هامش الحياة السياسية، يراقبونها ببرود أو برفض صامت، نتيجة تراكم التجارب السلبية والممارسات التقليدية داخل التنظيمات.
أحد الأسباب الرئيسة لهذا الابتعاد يتمثل في أزمة الثقة العميقة بين الشباب والتنظيمات الكردية، إذ ارتبط العمل الحزبي في وعي كثير من الشباب بالوعود غير المنجزة والانقسامات الداخلية، وتغليب المصالح الضيقة، ما خلق قناعة راسخة بأن السياسة باتت مجالًا مغلقًا لا ينتج سوى إعادة تدوير الفشل ويتعزز هذا الشعور لدى الجيل الجديد الذي يرى أن العديد من التنظيمات لا تعبر بجدية وفاعلية عن طموحاته الوطنية والاجتماعية.
إضافة إلى ذلك، تعاني الأحزاب الكردية من جمود بنيوي وهيمنة قيادات تقليدية لا تزال تفكر بعقلية الماضي، وتتعامل مع الشباب كأدوات تعبئة لا كشركاء حقيقيين في صنع القرار إن غياب التداول الديمقراطي داخل التنظيمات وضعف تجديد النخب، يشعران الشباب بالتهميش، ويقضيان على أي دافع لديهم للمبادرة أو الإبداع السياسي فكثيرون يرون أن طاقاتهم وقدرتهم على الابتكار تهدر داخل هذه البنى القديمة.
كما يساهم الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب في تعميق عزوف الشباب، حيث تتصدر البطالة والهجرة وتحديات تأمين الاستقرار قائمة اهتماماتهم اليومية، بينما تبدو المشاركة السياسية بلا جدوى، ولا سيما عندما تعجز التنظيمات عن تقديم حلول ملموسة لمشاكلهم الأساسية هذا الواقع يدفع الشباب إلى اعتبار السياسة شأنًا ثانويًا ويوجه طاقاتهم نحو البحث عن فرص اقتصادية أو تعليمية خارج إطار العمل السياسي.
من جهة أخرى، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة مزدوجة للتعبير فهي تمنح الشباب حرية أوسع للنقد والتواصل، لكنها في الوقت ذاته تعزز النشاط الفردي على حساب الانخراط الجماعي المنظم. ويفضل كثير من الشباب التعبير عبر الفضاء الافتراضي بدل الالتزام التنظيمي الطويل و المقيد ما يوسع الفجوة بينهم وبين التنظيمات التقليدية.
ولا يمكن إغفال عامل الخوف من الوصم أو العقاب السياسي في بعض المناطق حيث ينظر إلى الانخراط الحزبي أحيانًا كخطر محتمل على المستقبل الشخصي والمهني، الأمر الذي يدفع الشباب إلى الانكفاء على الذات وتجنب أي ارتباط تنظيمي مباشر مما يفاقم حالة العزوف ويعمق الانفصال عن السياسة الفعلية.
إن استمرار هذا الواقع ينذر بتكريس فجوة خطيرة بين الأجيال، ويفرغ العمل السياسي الكردي من روحه الحيوية لذلك، فإن إعادة الشباب إلى قلب الفعل السياسي تتطلب مراجعة جذرية من قبل الأحزاب الكردية، تشمل تجديد البنية الداخلية للتنظيمات وفتح المجال الحقيقي أمام الشباب للقيادة والمشاركة في صنع القرار.
تبني برامج عملية تلبي طموحات الشباب الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.
تشجيع المشاركة المفتوحة والشفافة بعيداً عن الهيمنة التقليدية والشعارات الجاهزة
لا يمكن لأي مشروع سياسي كردي في سوريا أن ينجح أو يستمر دون مشاركة شبابية فاعلة فالشباب هم حاضرنا ومستقبلنا ومسؤولية التغيير تقع اليوم على عاتق التنظيمات الكردية إما أن تتجاوز حالة الجمود، وتتصالح مع جيل المستقبل أو تبقى أسيرة الماضي وتفقد تدريجياً تأثيرها ودورها في المجتمع والسياسة.
29 كانون الأول 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…