احتجاجات واسعة في طهران ومدن إيرانية عدة على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وانهيار العملة

ولاتي مه – طهران | 29 كانون اول 2025

تشهد العاصمة الإيرانية طهران، إلى جانب عدد من المدن الكبرى، موجة احتجاجات متصاعدة وإضرابات في الأسواق، على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية والانهيار المتسارع لقيمة العملة الوطنية، بحسب ما أفادت به تقارير إعلامية ومقاطع مصورة متداولة.

وأفادت مصادر متطابقة بأن إضراب التجار والبازاريين في طهران دخل يومه الثاني، واتسعت رقعته ليشمل أسواقا ومراكز تجارية عدة، من بينها بين الحرمين، تشاهارسوق، سوق جعفري، سراي ملي، لاله‌زار، توبخانه، سرتشمه، إضافة إلى سوق شوش الكبير جنوب العاصمة. وأظهرت مقاطع فيديو إغلاق عدد كبير من المحال التجارية، في خطوة احتجاجية على ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، والفوضى في سوق العملة.

وفي السياق ذاته، أفادت تقارير باندلاع احتجاجات شعبية في مدن أخرى، من بينها مشهد، وأجزاء واسعة من الأحواز مثل المحمرة وعبادان، إضافة إلى مدن في كردستان الإيرانية مثل سنندج وسقز ومهاباد، وكذلك زاهدان في إقليم بلوشستان. وذكرت المصادر أن هذه الاحتجاجات شملت مناطق كانت تُعد سابقاً أقل انخراطاً في الحراك الاحتجاجي.

وردد المحتجون، بحسب مقاطع متداولة، شعارات تندد بالأوضاع المعيشية وتطالب برحيل المسؤولين، في مؤشر على تصاعد الغضب الشعبي واتساع دائرة الاحتجاج من مطالب اقتصادية إلى شعارات سياسية.

وفي تصريح منسوب إلى مريم رجوي، رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، اعتبرت أن اتساع إضراب البازاريين “يعكس غضب الشعب من الغلاء والفقر وقمع الحريات”، مؤكدة أن “جذر الأزمة يكمن في بنية النظام الحاكم”، وداعية إلى التضامن مع المحتجين، ولا سيما فئة الشباب.

اقتصاديا، سجل الريال الإيراني تراجعا جديدا، إذ أفادت تقارير بأن العملة فقدت نحو 5% من قيمتها خلال يوم واحد، ليتم تداول الدولار الأمريكي عند مستوى يقارب 1.44 مليون ريال، مقارنة بنحو 1.37 مليون ريال في اليوم السابق، ما زاد من حدة القلق في الأوساط التجارية والشعبية.

ويرى مراقبون أن تزامن الاحتجاجات مع الانخفاض الحاد في قيمة العملة وازدياد معدلات التضخم يعكس حالة ضغط غير مسبوقة على الاقتصاد الإيراني، في وقت لم تصدر فيه السلطات الرسمية حتى الآن بيانات تفصيلية توضح كيفية التعامل مع التطورات الجارية.

وتأتي هذه التحركات في ظل وضع اقتصادي متأزم تعاني فيه شرائح واسعة من المجتمع من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الدخول، واستمرار الضغوط على الأسواق، ما ينذر بإمكانية اتساع رقعة الاحتجاجات خلال الفترة المقبلة.

فيما يخص تأثير هذه الاحتجاجات على مصير النظام الإيراني، يرى محللون سياسيون واقتصاديون أن ما يجري حاليا يتجاوز كونه احتجاجات مطلبية مرتبطة بسعر العملة أو الغلاء، ليعكس أزمة بنيوية عميقة تواجه النظام الإيراني. ويشير هؤلاء إلى أن انخراط البازاريين والتجار، وهم من الأعمدة التقليدية للاقتصاد، يمنح هذا الحراك وزنا مضاعفا، خاصة في ظل استمرار العقوبات الأمريكية والأوروبية التي تضيق الخناق على موارد الدولة وتحدّ من قدرتها على امتصاص الغضب الشعبي عبر الحلول الاقتصادية المؤقتة.

ويضيف محللون أن تآكل الطبقة الوسطى، واتساع رقعة الفقر، وتراجع الثقة في السياسات الحكومية، كلها عوامل قد تدفع الاحتجاجات نحو مسار أكثر تصعيدا، خصوصا إذا ما ترافقت مع انقسامات داخل مراكز القرار أو تراجع قدرة الأجهزة الأمنية على السيطرة. وبحسب هذه القراءة، فإن استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي قد يضع النظام أمام تحديات وجودية غير مسبوقة، ويجعل سيناريو التغيير الجذري مطروحا على المدى المتوسط، وإن ظل مرتبطا بتطورات داخلية معقدة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…