زاهد العلواني
كلّما طُرح مشروعٌ جادّ لوحدة الكلمة والرأي في الساحة الكردية، وكلّما تقدّم أصحاب خبرة سياسية ورؤية عميقة لفتح باب المشورة والعقلانية، خرجت من تحت الرماد أصواتٌ نشاز، لا تملك مشروعاً ، ولا حجة، سوى القذف والتخوين والطعن في الأشخاص بدل مناقشة الأفكار.
لا يُناقَش الطرح، بل يُناقَش اللباس، ولا تُفحَص الرؤية، بل تُفتَّش النوايا، وكأن العجز عن التفكير يُعوَّض بالصراخ.
هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي إحدى أخطر علل الحالة ( الكردية) المعاصرة، مع الأسف وصل بهم الأمر “الارتهان للعاطفة” ، وشيطنة العقل، واعتبار كل رأي مختلف ” خيانة” .
لا يمكن أن تجتمع القومية مع أخلاق عدوانية…
كلما سمت القيم ارتقى الإنسان وتراجعت العصبيات.
كلما انحطّت القيم تعاظمت القوميات وتوحّشت.
وهذه ملاحظة تاريخية واضحة:
كل عزٍّ حقيقي عرفته القومية نشأ في حضن الدين.
كل ذلٍّ ومرسى انحطاط للدين وُلد في حضن القومية
فالسياسي الخبير يُتَّهَم بالعمالة، والمثقف يُوصَم بالجبن، والداعي للوحدة يُتَّهم بتمييع القضية، بينما يُصفَّق لمن يرفع الصوت دون أن يقدّم حلًا.
لقد دفع الكُرد ثمن هذا التخبط طويلًا.
حين كان المطلوب بناء مشروع جامع، انشغلوا بتقديس (الزعامات).
لدرجة أن رئيس الحزب يرفع شعار من المهد إلى اللحد، وحين فُتحت نوافذ السياسة، أُغلقت بالعنتريات.
وحين نضجت اللحظة للحوار، اختار بعضهم التخوين طريقًا أسهل من التفكير، بل يقدحون بالأعراض، المؤلم أن هذه الأصوات لا تمثّل غالبية الشعب الكردي، لكنها الأعلى ضجيجاً ، والأكثر ضرراً ، فهي تزرع الشقاق، وتمنح الخصوم أوراقًا مجانية، وتُفرغ أي مشروع وحدوي من مضمونه قبل أن يولد.
لا عدوّ للكرد أخطر من كرديّ يظنّ أن امتلاك الحقيقة يُغنيه عن امتلاك العقل.
” القضية الكردية اليوم لا تعاني من قلّة التضحيات، بل من سوء إدارة التضحيات” .
ولا تعاني من نقص الشجاعة، بل من غياب الحكمة.
وما لم يُفصل بين النقد والتخوين، وبين الاختلاف والعداء، ستبقى القضية رهينة الفوضى، مهما عظمت التضحيات.
وحدة الكلمة لا تُبنى بالصراخ، بل بالإنصات.
ووحدة الرأي لا تُفرض بالتخوين، بل تُصاغ بالحوار.
ومن يخشى النقاش، فهو في الحقيقة يخشى انكشاف خواءه.
إن لم يتعلّم الكرد احترام عقولهم قبل دمائهم، فسيبقون يدورون في الحلقة ذاتها، “تضحيات عظيمة… ونتائج هزيلة” .
لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم .
اللهم أرهم الحق حقاً وأرزقهم إتباعه ، وأرهم الباطل باطلاً وأرزقهم إجتنابه .