حين تصمت غزة وتتكلم قسد.. الإعلام العربي في خدمة المخطط التركي

د. محمود عباس

العلاقة باتت واضحة وفجّة بين التهديدات العلنية التي أطلقها وزيرا الخارجية والدفاع التركي خلال الأسبوع الفائت ضد الإدارة الذاتية وقوات قسد، وبين ما جرى ويجري في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب. غير أن الأخطر من الحدث الميداني نفسه هو ما رافقه من ضجيج إعلامي منسّق، عمّ القنوات العربية الداعمة لحكومة الجولاني، من “العربية” و“الحدث” إلى المنابر الناطقة باسمها.

الأكثر فجاجة كان أداء قناة الجزيرة، التي اختارت، على نحوٍ فاضح، تغييب غزة وجنوب لبنان، وتجاهل إسرائيل، لتجعل من الكورد وقوات قسد مادتها المركزية. لم يكن ذلك خيارًا تحريريًا بريئًا، بل اصطفافًا سياسيًا مقصودًا، فُتحت فيه الشاشات لأصوات لا همّ لها سوى تعميق الشرخ داخل المجتمع الكوردي من جهة، وزرع الفتنة بين الكورد والعرب في غربي كوردستان من جهة أخرى.

هذا التزامن لا يمكن فصله عن مخطط تركي أوسع، تُدار فيه الأدوات الأمنية والإعلامية معًا: توترٌ ميداني محدود، تضخيم إعلامي واسع، ثم تحويل الحدث إلى “طوفان سياسي”، لا لأنه خطير بحد ذاته، بل لأنه يخدم حسابات أنقرة، رغم أنه لا يُقارن، حجمًا ولا مأساة، بما يجري في غزة وجنوب لبنان.

قضية الشعب الكوردي في سوريا اليوم ليست على صفيح ساخن بسبب اتفاق آذار أو تفاهمات مرحلية مع حكومة الجولاني، بل لأنها تقع في قلب إعادة تركيب الشرق الأوسط. مخطط بدأ يطرق أبواب تركيا نفسها، وسوريا مرشّحة، مرة أخرى، لتكون ساحة الاختبار الأولى، عبر أدوات تكفيرية ومتطرفة، وبغطاء سياسي تؤديه الحكومة الانتقالية على أكثر من محور.

الولايات المتحدة تبدو صامتة إعلاميًا، لكنها ليست غائبة. هي تراقب وتحسب وتوازن. ومواقف قسد الأخيرة ليست ارتجالًا، بل تعبير عن إدراك عميق بأن شبكة الحلفاء لم تُفكّك، وأن الاعتماد عليها ما زال قائمًا، لأن مصالح واشنطن وأمنها، ومعها أمن إسرائيل واستقرار المنطقة، تتقدّم على الطموحات التركية المتناقضة.

وما يزيد المشهد وضوحًا أنّ هذا التصعيد التركي لا يأتي في فراغ، بل في لحظة تدرك فيها أنقرة أن الحكومة السورية الانتقالية باتت تتعرّض لضغوط دولية متزايدة، في مقدّمتها أميركية وبشكل غير مباشر من دول كبرى، لدفعها نحو القبول بنموذج حكم لا مركزي، قد يتطور إلى صيغة فيدرالية أو شبه فيدرالية.

تركيا، التي تقرأ التحولات الإقليمية بدقة، تفهم أن هذا المسار يهدد مشروعها القائم على إعادة إنتاج مركزية قسرية تضمن لها النفوذ والوصاية. ومن هنا، جاء التصعيد الأخير بوصفه رفضًا استباقيًا لما يُحضَّر سياسيًا، ومحاولةً لفرض وقائع ميدانية وأمنية تُفرغ أي اتفاق قادم من مضمونه، وتجعل من حلب ساحة ضغط ورسالة اعتراض لا لبس فيها.

من هنا، لا يعود الهجوم على قسد والإدارة الذاتية “نقاشًا وطنيًا”، بل محاولة لضرب أحد آخر عوامل التوازن الأمني والسياسي في الشمال السوري. وأي مسار سياسي جاد لسوريا لن ينجح إذا استمر التعامل مع الكورد بوصفهم مشكلة، بدل الاعتراف بدورهم كشريك أساسي في منع الانزلاق نحو فوضى شاملة، لن ينجو منها أحد.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

22/12/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…