مشعل التمو: الشعلة التي لا تنطفئ؟

اكرم حسين

في المشهد السياسي السوري المعقّد، حيث تتقاطع الولاءات وتتصارع الأيديولوجيات، يبرزاسم مشعل التمو  كرمز للوطنية الحقّة ، والإيمان بمبادئ العدالة والحرية والمساواة . فقد كان  التمو مشروعاً فكرياً وثقافياً متكاملاً، وشعلة حاولت أن تُضيء درباً كردياً غامضاً ، جمع بين الانتماء الكردي الأصيل والهوية السورية الجامعة. فقد رفض على طول الخط أن تُختزل قضيته في مطالب يومية ضيقة، وآمن أن حل القضية الكردية في سوريا  هي البوابة الحقيقية للديمقراطية .

انطلق مشعل التمو في مسيرته السياسية من حزب الاتحاد الشعبي الكردي، حاملاً رؤية متجدّدة . لكن تأسيسه لـ “تيار المستقبل الكردي” في عام 2005 كان نقطة تحوّل بارزة . حيث لم يكن حزباً تقليدياً بالمعنى الكلاسيكي ، بل حركة ثقافية ، سياسية ليبرالية ترفض التبعية وتُؤمن بالتنوير. لقد قامت فلسفته على ركيزتين أساسيتين: أولاهما، الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الكردي المشروعة وهوّيته المميزة ، وثانيهما ، الإيمان العميق بأن الكرد “جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري”، وأن مستقبلهم لا ينفصل عن مستقبل سوريا دولةً تعددية ديمقراطيةً. فقد رأى أن المعركة الحقيقية مع الاستبداد هي معركة كل السوريين من أجل عقد اجتماعي جديد، يحفظ الحقوق والكرامة في إطار المساواة والمواطنة الكاملة.

دفع التمو ثمناً باهظاً لإيمانه هذا. ففي آب 2008، اعتقلته المخابرات الجوية السورية، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة  “إضعاف الشعور القومي”، في إشارة واضحة إلى رفض النظام لأي حديث عن التنوّع أو الحقوق الجماعية ، وفي سنوات السجن بقي  صامداً في مواقفه ، وأُفرج عنه في حزيران 2011، في ذروة الاحتجاجات الشعبية، كجزء من محاولات النظام البائد لامتصاص الغضب في المناطق الكردية. لكن التمو لدى خروجه ، أعلن عن تأييده المطلق للثورة السورية السلمية، ودعا الكرد إلى المشاركة الفاعلة فيها،  كشركاء في تقرير المصير .

في 7 تشرين الأول 2011، اقتحم مسلحون منزله في مدينة القامشلي، وأطلقوا النار عليه بدم بارد، ليستشهد على الفور، مُصيبين في الهجوم ابنه مارسيل والرفيقة زاهدة رشكيلو. في محاولة أخيرة  “لوأد الثورة في المناطق الكردية”، وإرسال رسالة ترهيبية لمن يجرؤ على الجمع بين المطالب الكردية العادلة والثورة السورية العظيمة . لكن النتائج جاءت عكس ما توقعه النظام  فاستشهاده أشعل احتجاجات حاشدة عمت القامشلي وعامودا ومدناً كردية أخرى، وتحوّلت شعاراتها  إلى الإصرار والغضب، والمطالبة الصريحة بإسقاط النظام السوري، وتأكيدهم حول وحدة المصير.

لقد جاء البيان الذي أصدره أبناؤه الان  لتوضيح ظروف الجريمة – حيث أشاروا – كما يبدو -بناءً على أدلة بحوزتهم إلى أن عملية الاغتيال نفذتها “فرقة اغتيال مختصة قادمة من دمشق ومكلفة من قبل بشار الأسد شخصياً” – والدفاع عن جوهر إرث مشعل التمو الفكري والسياسي، وحمايته من أي أذى أو  محاولة التوظيف أو التشويه أو الاختطاف لأجندات ضيقة، داخلية كانت أم خارجية ، وهو ما ظهر في حرصهم على التأكيد على أن فكر والدهم يرفض أي شكل من أشكال التبعية أو الاستغلال، لأنه كان يسعى لتحرير الكرد والسوريين معاً .

سقط مشعل التمو وهو يدافع عن سوريا لكل السوريين ،وتجسّد فيه نموذج القائد الحقيقي الذي يرى في هويته الكردية ثراءً للوطن،  وفي نضاله من أجل حقوق شعبه مدخلاً لإطلاق حريات الجميع. حيث آمن بأن حرية الكرد لا تكتمل إلا بحرية العرب والسريان والتركمان وجميع مكونات سوريا، وأن كرامة الإنسان السوري واحدة لا تتجزأ. 

اليوم، تبقى شعلة مشعل التمو متقدة، في طريق سوريا الحرية والديمقراطية والسلام ، عبر الاعتراف بالتعددية واللامركزية وبناء دولة القانون والمواطنة المتساوية التي تحفظ الحقوق والهويات في ظل وحدة وطنية حقيقية، قائمة على الاختيار الحر ، وهو الإرث الذي يحاول أن يجسّده تيار مستقبل كردستان سوريا  ومناصروه، ويشكّل  التحدّي الحقيقي أمام كل من يحلم بسوريا جديدة، لكل ابنائها .؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…