الكورد بين حق تقرير المصير وتهمة “التقسيم”

سليمان سليمان 

تتجدّد في كل مرحلة من مراحل التوتر الإقليمي أو الحديث عن القوميات في الشرق الأوسط، حملات التشويه والاتهام تجاه الكورد، كلّما طرحوا حقّهم المشروع في إقامة دولة كوردستان المستقلة. وغالباً ما يُقدَّم هذا المطلب العادل في الإعلام العربي والتركي والإيراني على أنه “نزعة انفصالية” أو “محاولة لتقسيم الدول القائمة”، في حين أن الحقيقة مختلفة تماماً.

فالمطالبة بدولة كوردستان ليست دعوة للانفصال، بل استعادة لحق تاريخي مغتصب. فالكورد لم يكونوا يوماً جزءاً من الكيانات التي فُرضت عليهم عقب الحربين العالميتين، بل جرى تقسيم كوردستان وفق اتفاقيات دولية، أبرزها اتفاقية سايكس-بيكو ومعاهدة لوزان، التي تجاهلت إرادة الشعب الكوردي ووزّعت أرضه بين أربع دول رئيسية: تركيا، إيران، العراق، وسوريا.

وبذلك، نشأ واقع سياسي غير عادل جعل الكورد يعيشون تحت سلطات متعددة، لا يجمع بينها سوى القمع المشترك للهوية الكوردية والسعي الدائم لمحو خصوصيتها القومية والثقافية.

ورغم كل ذلك، لم يتبنَّ الكورد عبر تاريخهم سياسة عدائية تجاه الشعوب المجاورة، بل ظلّوا متمسكين بخيار السلم والحوار، مؤمنين بحق الجميع في العيش بحرية وكرامة. إنّ المطالبة بدولة كوردية مستقلة ليست رفضاً للعرب أو للترك أو للفرس، بل هي رفضٌ لسياسات الاحتلال والتمييز والإنكار التي مورست باسم هذه القوميات.

لكنّ الأنظمة القومية المتعاقبة في المنطقة، لا سيما في تركيا وإيران وبعض الدول العربية، عملت على تشويه وعي شعوبها، فزرعت في عقولها فكرة أن “قيام كوردستان يعني تقسيم الوطن”، متناسية أن الكورد أنفسهم شعب أصيل يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، وأن المطالبة بحق تقرير المصير هو أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

المفارقة أن كثيرين من المثقفين والسياسيين المنتمين إلى تلك الشعوب، حتى ممن يعيشون في دول ديمقراطية، يكررون الخطاب نفسه الذي روّجته الأنظمة الفاشية، وكأنّهم لا يريدون الاعتراف بمسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه ما تعرّض له الشعب الكوردي من تهميشٍ وإبادةٍ وحرمانٍ من أبسط الحقوق.

اليوم، ومع تطور وسائل الإعلام وتوافر المعرفة، لم يعد ممكناً الاستمرار في تزوير التاريخ أو إخفاء الحقيقة. فالقضية الكوردية لم تعد قضية “أقلية” داخل دولٍ معينة، بل قضية شعبٍ يسعى إلى نيل حريته واستعادة مكانته في خريطة المنطقة والعالم.

إن قيام دولة كوردستان ليس مشروعاً لتقسيم الدول، بل مشروع لتصحيح مسار التاريخ، وإنهاء قرنٍ من الظلم والتهميش. فالشعب الكوردي، الذي ناضل طويلاً من أجل حريته، لم يطالب يوماً بأكثر مما يستحق، ولم يسعَ يوماً إلى سلب حقوق الآخرين، بل طالب فقط بالاعتراف بحقه في أن يكون له وطن، كما لكل الشعوب أوطان.

هذه الحقيقة المؤلمة تكشف أن المشكلة لم تكن فقط في الأنظمة، بل في العقل الجمعي الذي تربّى على إنكار وجود الكورد وحقّهم. ومع ذلك، سنبقى نحن نؤمن بالسلام والحرية، وسنبقى نرفع راية كوردستان، لأنها ليست مشروع تقسيم كما يدّعون، بل مشروع عودة الحياة إلى أرضٍ أنهكها الاحتلال، وإحياء لكرامة شعبٍ لم يعرف يوماً إلا النبل والإصرار على الحق.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…