الهوية المغيَّبة في الروزنامة السورية

عبدالجابر حبيب

مرسوم العُطل الرسميّة:

صدر المرسوم الرئاسي الأخير محدداً قائمة الأعياد والعطل الرسمية في سورية، فكانت الأيام تتوالى كما اعتادتها البلاد: رأس السنة، الجلاء، الشهداء، الميلاد، الفطر، الأضحى…

بين تلك السطور الممهورة بختم الدولة، غاب يومٌ يعرفه السوريون منذ قرون، يومٌ تشتعل فيه الجبال نوراً وتغنّي الحقول بلغات الحياة: عيد النوروز.

ذلك الغياب لم يكن سهواً في دفترٍ إداري، مع الاسف هو ثقبٌ في ذاكرة الوطنٍ، وتغافلٌ عن عيدٍ حملته الأجيال في الوجدان رغم غيابه في البيانات الرسمية للنظام البائد.

فكيف لوطنٍ يدّعي اليوم أنه بيتٌ لجميع أبنائه أن يغلق بابه في وجه عيدٍ من قلبه؟

وكيف نتحدث عن «دولة المواطنة» بينما تُقصى مناسبة وطنية أصيلة عاشها الكرد والعرب معاً في الجزيرة السورية منذ مئات السنين؟

نوروز: النار التي تُضيء ولا تُحرق

النوروز هو ليس  طقسٍ فولكلوريٍّ، أو رقصٍ على أنغام الفرح فقط.

إنه أسطورةٌ عن التحرر والكرامة، تُروى منذ أزمنة كاوا الحداد، الذي أشعل النار إشارةً لثورةٍ ضد الطاغية «الضحّاك».

ومنذ ذلك الحين، صارت النار رمزاً لانبعاث الحياة، لا لعبادة الأسطورة كما يظنّ الجاهلون.

هي نار العدالة في مواجهة الظلم، وشعلة الوجود في وجه الفناء.

ومع كل ربيعٍ يقترب، تتفتح الأرض ويُشعل الكردي ناره، لا ليعبدها، بل ليقول للعالم:

ها أنا أحتفل بولادتي من جديد، ها أنا ما زلت هنا.

فهل يُعقل أن تخاف دولة من نارٍ تُضيء طريق الإنسان إلى ذاته؟

حين يُقاس الوطن بمقاييس ضيقة

لم يكن تجاهل النوروز حدثاً عابراً إنما هو امتداد لعقلٍ سياسيٍّ قديمٍ يتهيب التنوع.

منذ عقودٍ طويلة، تحايلت السلطة على الاعتراف بهذا العيد.

وحين اشتعلت الهتافات في المدن الكردية، اخترع النظام يوماً بديلاً، فجعل عيد الأم في 21 آذار، ليمحو بالنوايا الرمادية نكهة العيد القومي الكردي.

ظلّ التاريخ ذاته، لكن الروح تغيّرت، والرمز فقد معناه.

واليوم، بعد مرور أجيالٍ من الوعود، يأتي القرار الجديد ليعيد الذاكرة إلى نقطة البداية:

لا مكان للنوروز بين الأعياد الرسمية، ولا مكان بعد للرمز في دفتر الدولة.

هل من المعقول أن القلم الذي كتب المرسوم لم يمرّ يوماً على جبال عفرين، ولا على سهول قامشلو، ولا سمع أغاني الأطفال الذين يستقبلون الشمس الأولى في يومهم الأبهى.

أعياد مكونات هي للسوريين جميعاً

الحقيقة التي يتجاهلها أصحاب القرار أن هذه الأعياد لم تعد تخصّ مكوّناً واحداً بعينه.

فـ النوروز في الجزيرة السورية، كما أكيتو في الجزيرة العليا، صارا جزءاً من الوجدان الجمعي السوري.

في كل ربيعٍ، ترى الإخوة العرب يشاركون الكرد فرحتهم، كما يحتفل الكرد مع السريان والآشوريين بعيد أكيتو، رأس السنة البابلية الآشورية السريانية.

هذه الأعياد لم تعد علامات انقسام، بل جسور لقاءٍ بين المكونات السورية جميعاً.

ولذلك، جاء موقف المنظمة الآثورية الديمقراطية في سوريا ليعبّر عن وعيٍ وطنيٍّ حقيقي، إذ أعلنت رفضها لتغييب عيد أكيتو وعيد نوروز عن قائمة العطل الرسمية، وطالبت بمراعاة التنوّع القومي والثقافي لجميع مكوّنات الشعب السوري.

ففي هذا النداء، تتجلّى فكرة الوطن كما يجب أن يكون:

وطنٌ يعترف بكلّ أبنائه، لا يختزل فرحهم في تقويمٍ واحد، ولا يحصر انتماءهم في لونٍ أو لغة.

العُقد ذاتها تتكرر

ما الفرق، إذن، بين الأسد الأب الذي منع الاحتفال بعيد النوروز، وبين الأسد الابن الذي واصل التجاهل ذاته، وبين من يدّعون اليوم الثورة والتحرر لكنهم يسيرون في المنحى نفسه؟

جميعهم، على اختلاف شعاراتهم، خافوا من النار ذاتها: نار الوعي والكرامة.

لاسيما أن  بعض المجموعات التي تحكم باسم الدين، ما زالت ترى في إشعال النار طقساً وثنياً، غير مدركة أن النار في الأسطورة الكردية ترمز للنور بعد العتمة، للانبعاث بعد القهر. وليعلم أولئك أن الكردي هو مسلم يؤمن بالرسالة النبوية الشريفة ومن الكورد رجال دين علماء في الفقه.

ولكن هكذا، يلتقي التطرف بالدكتاتورية في دائرةٍ واحدة، و كلاهما يخاف الضوء.

الهوية الكردية

لم يتخلّ الكردي عن سوريّته يوماً، ولم يجعل كرديّته حاجزاً أمام العيش المشترك.

لقد دافع عن الأرض نفسها، وارتوت التربة بدماء أربعة عشر ألف شهيد كردي حلموا بوطنٍ يعترف بوجودهم لا بوراثة إنكارهم.

هم لم يطلبوا امتيازاً، بل اعترافاً بأنّ التعدد ثروةٌ لا خطر، وأنّ الوطن الذي لا يحتفي بكل أبنائه، سيبقى ناقص الروح مهما امتلأت جدرانه بالشعارات.

كي يكتمل دفتر الوطن

ليس النوروز عيداً كردياً فحسب، بل عيدٌ سوريٌّ بالمعنى الأعمق للانتماء.

يومٌ يمكن أن يوحّدنا كما تَوحَّدت الأسطورة على مرّ العصور، يومٌ تُشعل فيه النار في القلوب لا على الجبال، لتقول:

ها نحن جميعاً نولد من جديد.

سيأتي الوقت الذي يدرك فيه الحكماء أن الاعتراف بعيد النوروز ليس منّةً سياسية ولا مطلباً فئوياً،  الاعتراف هو خطوةٌ نحو اكتمال معنى الوطن.

فالوطن، مثل الشجرة، لا يقف إلا بجذوره جميعاً، ولا يزهر إلا حين تتفتح ألوانه كلها.

وحينها، سيجد النوروز مكانه في رزنامة الدولة، كعيدٍ للكرامة والولادة والحرية…

وسيقول السوري للكردي بصدق القلب لا بلغة السياسة:

نوروز پيروزبه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…