لا تعبثوا بهذا المنجز التاريخي!

علي شمدين

ابتليت الحركة الكردية في سوريا، بعد تأسيسها في أواسط يونيو/ حزيران ١٩٥٧، بداء الانشقاق والتشرذم والانقسام الذي فتت جسمها التنظيمي الهش إلى أحزاب وجماعات وشلل أنترنيتية بمعظمها، وقد تجاوزت اليوم لائحتها الاسمية المائة، وهي تتخاصم فيما بينها حول شعارات خلبية وعقيمة (طبقية وقومية)، ألهتها عن قضيتها القومية التي يفترض أنها تأسست من أجلها، فباتت صفوفها مرتعاً آسناً للتدخلات الداخلية والخارجية التي شلت إرادتها، وسلبت قرارها السياسي، وألهتها عن خصائصها القومية، ودفعت بأنظارها نحو خارج الحدود.
هذا وقد أضافت الأزمة السورية إلى هذه الآفات التي ظلت تعانيها الحركة الكردية في سوريا، آفات أخرى كانت أشد فتكاً بصفوفها وأكثر استلاباً لقرارها السياسي، والتي أدت في النتيجة إلى انقسام أطرافها على طرفي جبهة الصراع الدائر على الساحة السورية منذ آذار/ مارس ٢٠١١، وأصبحت وقوداً لنيرانها التي لم تنطفئ بعد، ولم تستطع الحركة الكردية السورية النجاة من هذه الدوامة المدمرة بالرغم من المحاولات العديدة التي تمت من أجل الجلوس حول طاولة واحدة، والوصول معاً إلى اتفاقيات تهدف إلى توحيد جهودها حول رؤية مشتركة، كاتفاقية (هولير١، هولير٢، دهوك..)، ولكن من دون جدوى.
الحقيقة أن هذه الآفة السرطانية الفتاكة التي ابتليت بها الحركة الكردية في سوريا، كادت أن تضيع عليها هذه الفرصة التاريخية التي جاءت بها التطورات العاصفة وموجة المتغيرات المتسارعة التي عمت المنطقة عموماً وسوريا بشكل خاص إثر اندلاع ما يسمى بـ(الربيع العربي)، والتي فتحت الأبواب واسعة أمام الكرد السوريين ليقوموا بتوحيد نضالهم القومي، وخاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد بذلك الشكل المخزي، للعمل من أجل التحرر من الظلم والقهر والاستبداد، ونيل حقوقهم القومية المسلوبة، ولكن بالعكس من ذلك تصاعدت وتيرة الخلافات أكثر فأكثر وخاصة بين أطرافها التي سمت نفسها بالرئيسية التي غرقت في دوامة المهاترات وانشغلت بتخوين بعضها البعض من دون رحمة، ونظمت ضد بعضها حملات التضليل والاتهامات، في وقت كان المحتلون مستمرين في قضم أجزاء هامة من مناطقه التاريخية (عفرين، سري كانية..)، وكانت التغييرات الديمغرافية الخطيرة تقوم بصهر هويته القومية في وضح النهار، الأمر الذي دفع بالقضية الكردية نحو دائرة الخطر التي كادت أن تلامس حافة الفناء والموت.
أجل، إن آفة الانشقاقات المزمنة التي تعانيها الحركة الكردية في سوريا، كادت أن تقضي على قضيتها القومية، لولا أن إرادة الخير بين صفوفها، والتي تبين بأنها إرادة قوية وجبارة لا يستهان بها، بادرت في الوقت الضائع إلى الضغط بكل قوتها باتجاه عقد كونفرانس كردي شامل في ٢٦ نيسان/ إبريل ٢٠٢٥، ضم كافة الأحزاب والمجموعات الكردية وممثلي مختلف الفئات والشرائح والشخصيات الاجتماعية والثقافية، وقد خرج الكونفرانس ولأول مرّة في تاريخ الحركة الكردية في سوريا، برؤية سياسية موحدة حول آليات بناء الدولة السورية الجديدة وفقاً لأسس ديمقراطية تعددية لامركزية تعترف دستورياً بالوجود القومي الكردي وتقر في دستورها الدائم بالحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا، وكذلك انبثق عن هذا الكونفرانس وفد يمثل شرعية الشعب الكردي في سوريا ومخول من ممثليه بالحوار مع الإدارة المؤقتة في دمشق.
لا شك بأن خطوة مصيرية كهذه نالت تأييد الشعب الكردي وحازت على إعجاب أنصار قضيته القومية واحترامهم في كل مكان، مثلما عززت من هيبة حركته السياسية وضاعفت من وزنها الإعتباري لدى خصومه من الشوفينيين والعنصريين، وأصابتهم بالخيبة والفشل، وأجهضت جهودهم الحاقدة التي بذلوها خلال ما يزيد عن نصف قرن من أجل تأجيج الفتن والخلافات وإثارة المزيد من الانشقاقات بين صفوفها، حتى باتت مخرجات هذا الكونفرانس تشكل أمانة قومية بين يدي الحركة السياسية الكردية، وباتت منارة تجذب أنظار الكرد في كل مكان، وأنظار أصدقائهم الغيورين على قضيتهم القومية والمتضامنين مع معاناتهم، الذين يشكلون معاً رأياً عاما ضاغطاً يقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه أن يخون هذه الأمانة، وسوف يلعن كل من يحاول العبث بهذا المنجز التاريخي الكبير سواء لمصالح حزبية وشخصية ضيقة، أو لأجندات خارجية مشبوهة.
فلم تعد مخرجات هذا الكونفرانس مجرد صفقة سياسية لتكون رهينة لإرادة الأطراف التي عقدتها لمصالحها الذاتية، وإنما باتت تشكل ميثاقاً قومياً مقدساً نال شرعيته في محفل مهيب ضم ممثلي الشعب الكردي، وبرعاية أشقائه الكردستانيين ودعم أصدقائه الدوليين.
٩ أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٥

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…