المصير الكردي بين وحدة الصف ودور الوفد المفاوض

شادي حاجي
وحدة الصف والموقف الكردي التي أُعلن عنها في مؤتمر 26 نيسان/أبريل 2025 في روجآفا كردستان – قامشلو، حيث أُقرت الرؤية السياسية الكردية الموحدة، وتمخّض عنها تشكيل الوفد الكردي المفاوض مع دمشق، كانت المطلب والهاجس والشغل الشاغل للأحزاب والمنظمات السياسية والثقافية والمجتمعية، وللشخصيات الوطنية الكردية على مدى عقود طويلة. كما كانت محوراً للكتابات والدعوات في البيانات الحزبية، والتصريحات واللقاءات الإعلامية، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الكردية، وتردد تناولها في الحوارات والنقاشات الكردية – الكردية في مختلف المناسبات: في الأفراح والأحزان، وفي المقاهي والمجالس والسهرات، وحتى على موائد الطعام.
 وكان السؤال المطروح دائماً: ماذا ينتظر من غياب ترسيخ الهدف أو الفكرة من وحدة الصف والموقف الكردي في سوريا، وعدم دعم وتفعيل دور الوفد الكردي المفاوض مع دمشق؟
الجواب الأقرب  على مثل هذا السؤال هو أن استمرار هذا التوجّه السلبي سيقود إلى مزيد من الأزمات والإخفاقات، من أبرزها: الانقسامات السياسية، والصراعات الحزبية الداخلية، والتدخلات والتأثيرات الخارجية، إلى جانب غياب قيادة موحدة ومرجعية سياسية قادرة على جمع الصف.
إن إضعاف أو تهميش دور الوفد الكردي المفاوض يثير مخاوف عديدة، أهمها فشل المفاوضات وانعكاس ذلك على حقوق الشعب الكردي ومستقبله السياسي، عبر تفتيت قضيته وتهميش حقوقه، وحرمانه من تحقيق مطالبه المشروعة السياسية والاقتصادية والثقافية والدستورية، ومن خصوصيته القومية، كما يحرمه من فرصة بناء مستقبل مستقر وآمن، ويزيد من خطر تصاعد التوترات والصراعات في المنطقة.
ويبقى التساؤل: هل ستفشل وحدة الصف والموقف الكردي كما فشلت معظم المبادرات السابقة التي دفع الكرد ثمنها في أكثر من مرحلة؟
 قبل الإجابة-هنا- فإنه لابد من الإقرار بأنه  لا يخفى على المتابعين للشأن السياسي والحزبي الكردي أن وحدة الصف والموقف الكردي مفهوم معقد، إذ يتداخل فيه الهدف والشعار والفكرة. والسؤال هنا: هل هي بالفعل هدف تسعى الحركة السياسية الكردية لتحقيقه؟ أم مجرد شعار يُروَّج له؟ أم رؤية استراتيجية متكاملة ذات معالم واضحة ومراحل محددة؟
إذ هناك من يعتبرها هدفاً وغاية وشرطاً أساسياً لأي مسار نضالي ناجح، تسعى الحركة السياسية إليه عبر توحيد الجهود نحو أهداف مشتركة، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. ومن دونها تضيع الفرص ويستفيد الآخرون من الانقسام. صحيح أن تحقيقها ليس سهلاً، لكنه ممكن بالإرادة السياسية والشعور بالمسؤولية التاريخية.
وهناك من يراها فكرة محورية تقوم عليها الرؤية السياسية المشتركة، ويرون أن الوحدة هي الطريق لتحقيق التقدم والازدهار.
الخوف الأكبر أن تتحول “وحدة الصف والموقف الكردي” والوفد الكردي المفاوض إلى مجرد شعارات للاستهلاك الداخلي وجذب الدعم حول مصالح شخصية أو حزبية ضيقة، بدل أن تكون ممارسة عملية تعني توحيد المكونات الكردية المختلفة – السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية – في عمل منسق، يضع الخلافات الثانوية جانباً لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى.
هذا يتطلب تنسيقاً سياسياً مشتركاً يقود إلى وجود هيئة سياسية جامعة عليا، تملك شرعية التمثيل وصلاحية اتخاذ القرار وترجمته في السلم والحرب والتفاوض. والأهم – إلى جانب كل ما سبق – هو دعم وتعزيز وتفعيل دور الوفد الكردي المفاوض، من خلال إيجاد آليات جدية للتمثيل الأوسع، مع اعتماد مبدأ الكفاءة، وتفعيل منظومة العمل الاستشاري، عبر إشراك أصحاب الخبرة والاختصاص في القانون واللغة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد.
إن القضية الكردية في سوريا أكبر من الجميع، وهي قضية أرض وشعب محروم من أبسط حقوق الإنسان، قدّم تضحيات جساماً من أجل نيل حقوقه المشروعة.
وإلى مستقبل أفضل.
ألمانيا – 18/8/2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…