الوفد الكردي بين التحديات والفرص بعد وحدة الصف في كونفرانس قامشلو

ريزان شيخموس

بعد سقوط نظام الأسد، سادت آمال واسعة بأن تبدأ سوريا مرحلة جديدة قائمة على العدالة والمساواة واحترام التعددية، غير أن ما حدث أظهر أن السلطة المؤقتة في دمشق لم تبتعد عن النهج الإقصائي القديم، فاستمرت في سياسات أحادية تجاه مكونات الشعب السوري. بدأ ذلك بمؤتمر الحوار الوطني الذي استبعد الممثلين الحقيقيين لكل المكونات، مرورًا بالإعلان الدستوري الذي منح الرئيس صلاحيات غير مسبوقة، وصولًا إلى حكومة شكلية تمثل عمليًا هيئة تحرير الشام، وارتكبت انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب في مناطق مثل الساحل والسويداء. كما تواصلت التهديدات المباشرة ضد الشعب الكردي وحقوقه القومية العادلة، مع تصعيد خطاب الكراهية من قبل أبواق السلطة، وتنامي حملات التحريض التي شملت تحركات عشائرية مسلحة، ما عمّق مناخ الفوضى وهدد بإنهاء أي شكل للدولة. وفي ظل استمرار الحرب وتعقيداتها، أصبحت وحدة الصف الكردي ضرورة وجودية لحماية المكتسبات وصون الهوية وضمان دور فاعل للكرد في مستقبل سوريا.

في هذا السياق، جاء الكونفراس التاريخي لوحدة الصف الكردي في قامشلي بتاريخ 26 نيسان 2025 ليشكل محطة مفصلية، إذ استطاع بعد سنوات من الانقسامات الحزبية والمناطقية أن يجمع طيفًا واسعًا من القوى والشخصيات الكردية، بدعم سياسي واجتماعي من مختلف أجزاء كردستان. وقد أكد هذا الحدث أن الوحدة مطلب شعبي قبل أن تكون قرارًا سياسيًا.

لعب الرئيس مسعود البارزاني دورًا حاسمًا في إنجاح الكونفراس، مستخدمًا ثقله السياسي ورمزيته القومية لدفع الأطراف الكردية نحو الحوار والتقارب، بعيدًا عن الاصطفافات الضيقة. قدّم دعمًا سياسيًا ودبلوماسيًا حقيقيًا، ووفّر غطاءً إقليميًا ودوليًا للمبادرة، وأرسل رسائل واضحة للمجتمع الدولي بأن الكرد قادرون على تجاوز خلافاتهم إذا توفرت الإرادة الصادقة.

تميز الكونفراس بنجاحه، ولأول مرة في تاريخ الحركة السياسية الكردية في سوريا، في توحيد القوى والأحزاب والشخصيات الكردية على رؤية سياسية مشتركة تشمل مستقبل سوريا بأكملها وحقوق جميع مكوناتها، وليس الكرد وحدهم. وقد أسفر ذلك عن وثيقة تاريخية جامعة، تحدد شكل الدولة السورية المنشودة، وتضمن الحقوق القومية للكرد، وتكرس مبدأ المساواة بين الجميع. هذه الوثيقة أصبحت المرجع الأوضح للموقف الكردي، ومنحت الوفد المنبثق عن الكونفراس شرعية تمثيل الشعب الكردي حصريًا في أي مفاوضات أو محافل وطنية ودولية.

الوفد المنبثق عن الكونفرانس يواجه تحديات جدية ومعقدة، لعل أبرزها رفض السلطة في دمشق أصلًا الاعتراف به أو الدخول في أي حوار معه، إذ أن هذه السلطة لم تُبدِ حتى الآن أي استعداد للاعتراف بالقوى السياسية السورية ولا بمكوناتها الوطنية، بل تواصل نهجها القائم على تجاهل الحلول السياسية، مكتفية بمحاولات التفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية في إطار مقاربات ذات طابع عسكري وأمني، وهو مسار أثبت فشله، لأنه لا يمكن لأي حل أن يبدأ أو ينجح دون إطلاق حوار سياسي شامل يفضي إلى تسوية عادلة. ولهذا، فإن على الدول الضامنة لانعقاد كونفرانس نيسان، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، أن تمارس ضغطًا سياسيًا ودبلوماسيًا حقيقيًا على السلطة في دمشق لفتح قنوات حوار مباشرة مع الوفد الكردي باعتباره الممثل الشرعي والحقيقي للشعب الكردي. كما تقع على عاتق هذا الوفد مهمة موازية تتمثل في عقد لقاءات منتظمة مع ممثلي كافة المكونات السياسية والاجتماعية في سوريا، لبناء أرضية مشتركة من التفاهمات والتحالفات الوطنية، بما يعزز الموقف الكردي ويدعمه ضمن إطار مشروع وطني جامع. ومن المهم أن تُترجم وحدة الصف عمليًا على الأرض، سياسيًا وإعلاميًا ومن خلال النشاطات الميدانية، وألا تبقى حبيسة الشعارات، مع ضرورة الحفاظ على الشفافية، وخاصة من قبل قيادة قوات سوريا الديمقراطية في مفاوضاتها مع السلطة في دمشق أو مع باقي الدول الفاعلة، لضمان مصداقية الموقف الكردي أمام الشارع والمجتمع الدولي

في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها سوريا، والحرب الإعلامية الممنهجة التي تشنها أبواق السلطة الإسلامية والعربية ضد جميع المكونات، وعلى رأسها المكوّن الكردي، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز أدوات العمل السياسي والإعلامي للوفد الكردي.

ولا يقتصر الأمر على الاجتماعات الدورية، بل يجب أن يستفيد الوفد بشكل مستمر من خبرات مراكز البحوث والاستشارات التاريخية والقانونية، من خلال لقاءات متكررة ومدروسة، تتيح تزويدهم بالحقائق الموثقة والحجج القانونية والتاريخية التي تعزز موقفهم في أي مفاوضات أو محافل دولية.

كما أن الضرورة تفرض العمل الجاد على تشكيل مرجعية كردية موحدة للوفد، تكون بمثابة الإطار الجامع الذي يحدد أولويات المفاوض الكردي، ويضمن وحدة الخطاب والرؤية، ويمنع أي محاولات لاختراق الصف أو تفتيت الموقف. هذا النهج، المدعوم بالمعرفة الأكاديمية والمراجع القانونية، سيشكل قاعدة صلبة لمواجهة التحديات السياسية والإعلامية، ويحمي الحقوق والمكتسبات الكردية من أي محاولات للنيل منها.

إن ما تحقق في كونفرانس 26 نيسان في قامشلي يمثل نقلة نوعية في المسار القومي الكردي وخطوة تأسيسية لمرحلة جديدة من العمل الوطني، يكون فيها الكرد طرفًا فاعلًا وشريكًا كامل الحقوق في صياغة مستقبل سوريا كدولة ديمقراطية تعددية تحترم جميع مكوناتها. الحفاظ على هذه الوحدة وتحويلها إلى قوة سياسية وميدانية هو التحدي الأكبر، وهو ما سيحدد مكانة الكرد ودورهم في سوريا المستقبل.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…