الفيدرالية بين التجربة الكوردية في سورية ودروس الأمم قراءة في التاريخ والسياسة

د. محمود عباس

منذ بدايات الحراك السوري، تظل مسألة اللا مركزية السياسية والفيدرالية حاضرة كخيار موضوعي، وليست فكرة طارئة على المشهد السياسي، هي تنبثق اليوم من رحم الجغرافيا والتاريخ والتنوع الإثني والديني الذي يميز سوريا عن كثير من دول المنطقة. في غربي كوردستان حيث تتشابك الهويات الكوردية والعربية والعلوية والدرزية والسريانية والأرمنية وغيرها، تبرز الفيدرالية كحل يحمي هذا التنوع من الانصهار القسري داخل قوالب الدولة المركزية الصارمة، التي ما تزال تحمل في بنيتها ذهنية البعث الإقصائية، بل ولربما أبشع، علما أن القرآن الكريم يقرر مبدأ الشورى “وأمرهم شورى بينهم” (الشورى: 38)، وهو مبدأ يستدعي مشاركة أوسع في صنع القرار، لا حصره في مركز ضيق.

كما وأن السنة النبوية تُظهر أن النبي ﷺ كان يفوض الأمراء على الأمصار، ويترك لهم مساحة للاجتهاد. والفقهاء فيما بعد وفي عهد الخلافة الأموية والعباسية، فرّقوا بين “الولاية العامة” (الخلافة أو الإمامة) و”الولايات الخاصة” (إمارة إقليم أو ولاية)، وأجازوا تفويضًا واسعًا في الأخيرة.

هذا الطرح لا ينفصل عن التجارب العصرية لأنظمة وشعوب متعددة، فكتالونيا في إسبانيا، والباسك، وإسكتلندا في المملكة المتحدة، وحتى كويبيك في كندا، تجسد اليوم نماذج متباينة لكيفية مواءمة الهوية القومية مع وحدة الدولة من خلال أنظمة حكم ذاتي مرنة أو اتحادية.

التجربة الكوردية في سورية تعكس الآن صراعًا بين رؤيتين، رؤية ترى الفيدرالية إطارًا جامعًا يضمن بقاء سوريا موحدة عبر الاعتراف بحقوق مكوناتها، ورؤية مركزية ما زالت تعتبر أي شكل من أشكال الحكم الذاتي تهديدًا لوحدة الدولة، متجاهلة أن التاريخ الحديث يمتلئ بأمثلة دول تحطمت وحدتها بسبب القمع والإنكار أكثر مما تحطمت بفعل الاعتراف بالتنوع. التجربة الكوردستانية في العراق تقف مثالًا قريبًا من المخيلة الكوردية السورية، حيث تُظهر أن اللا مركزية السياسية تتحول إلى ضمانة للاستقرار إذا اقترنت بإرادة سياسية صادقة، لكنها قد تصبح ساحة نزاع إذا اختُزلت إلى تقاسم نفوذ بين نخب متنازعة.

السياق السوري لا ينفصل عن هذه الدروس، الثورة السورية تكشف اليوم هشاشة البنية الوطنية التي صاغتها السلطة البائدة على مدى عقود، والتي لا تختلف عنها الحكومة السورية الانتقالية، من حيث التمسك بالمركزية والادعاءات، حيث تتلاشى شعارات “الوحدة الوطنية” أمام أول اختبار جدي، وتطفو على السطح نزعات الاستئثار والهيمنة لدى أطراف عديدة، في القوى الإقليمية والداخلية. ومع غياب رؤية جامعة، يجد الكورد أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ، العودة إلى المركزية البعثية، أو المضي في مشروع لا مركزي سياسي قد يُتهم بالانفصالية رغم أنه على النقيض منها.

هذه الحالة تتقاطع مع تجارب شعوب أخرى، فإسكتلندا عام 2014 تخوض استفتاءً على الاستقلال في إطار قانوني وديمقراطي، وتظل رغم ذلك جزءًا من المملكة المتحدة. أما كتالونيا عام 2017 فتتعرض لقمع مركزي بعد استفتائها، ما يعيد التوترات إلى الواجهة ويضعف فرص التفاهم. الدرس هنا واضح، التعامل الحكيم مع مطالب الحكم الذاتي يعزز وحدة الدولة بدل أن يهددها، بينما الإقصاء والقمع يفتحان الطريق الأقصر نحو التفكك.

على هذه الخلفية، تتعرض اللا مركزية السياسية أو الفيدرالية في الخطاب الكوردي السوري الآن لحملة تشويه، تقودها أطراف مركزية مدعومة إعلاميًا من قوى إقليمية، تسعى لتصويرها كمدخل للتقسيم، في حين أن جوهرها يقوم على توزيع السلطة والثروة بعدالة بين المكونات، القوى الكوردية، بدلًا من توحيد خطابها ومواجهة هذه الحملة برؤية موحدة، انزلقت في السابق أحيانًا إلى صراعات داخلية غذتها التدخلات الخارجية، مما ضعف موقفها التفاوضي مع المعارضة حينها، وأثرت بشكل ما على مجريات الحوارات مع الحكومة الانتقالية السورية حاليا، وفتح المجال أمام الخصوم لتصوير الانقسام كدليل على عدم نضج المشروع.

التجارب العالمية الراهنة توضح أن نجاح الفيدرالية لا يتوقف على النصوص الدستورية وحدها، بل على ثقافة سياسية قادرة على إدارة التعددية، في كندا، مثلًا، تلعب المؤسسات الديمقراطية دورًا في احتواء النزعات الانفصالية في كيبيك، عبر سياسات لغوية وثقافية واقتصادية تراعي الخصوصية المحلية، أما في العراق، فرغم النجاح الاقتصادي الباهر، بعض الخلافات الحزبية الكوردية لا زالت تعيق، إلى جانب التردد المركزي في بغداد، نجاح النموذج بشكل تام على مستوى العراق كدولة، رغم أنه يمنح الإقليم حماية من الانهيارات التي تجتاح باقي البلاد منذ 2003.

الفيدرالية في السياق السوري بشكل عام، وللشعب الكوردي والمكونات القومية والمذهبية بشكل خاص، ليست حلمًا طوباويًا، بل ضرورة سياسية وتاريخية لضمان التعايش في دولة متعددة الهويات، تحقيقها يتطلب وعيًا استراتيجيًا يتجاوز اللحظة الراهنة، ورؤية متماسكة تقنع الداخل والخارج بأنها ليست مشروعًا للتقسيم، بل إطارًا لإعادة بناء سوريا على أسس العدل والمشاركة، في ضوء تجارب الأمم، ما يعتبره البعض تهديدًا للوحدة قد يكون الضمانة الوحيدة لبقائها.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

13/8/2025

 

 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو ​بعد خمسين عاماً من معايشة الوجع الكردي، لم أتوقف يوماً عن القراءة في الكتب العلمية والاستماع بإنصات لكل من النخبة والجماهير، مؤمناً بأن واجبي الإنساني والقومي يفرض عليَّ أن أكون تلميذاً دائماً للحقيقة. ومنذ أكثر من نصف قرن، دأبتُ على جمع خلاصة الفكر الإنساني والسياسي في مكتبتي الخاصة، وحفظتها كأمانة للتاريخ. ​اليوم، ومع سقوط النظام البعثي الأمني وهروب…

عبدالجابرحبيب الشبهة بين النص والتراث في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج…

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…