من  دفتر يومياتي.. فلسطين – كردستان

صلاح بدرالدين

  لقد انعش – تطير – البعض من كلمة – كردستان – ذاكرتي ، واعادني خمسة وثلاثون عاما نحو الوراء عندما كنت ضيفا على ” المجلس الوطني الفلسطيني ” المنعقد بالجزائر عام ١٩٨٨ ، فقد كان متبعا من جانب الأصدقاء في منظمة التحرير الفلسطينية دعوتنا باسم الحركة الكردية الى مختلف مناسباتهم الوطنية وخاصة مؤتمرات المجلس الوطني الذي كان بمثابة البرلمان الفلسطيني خارج الوطن ، وكان لنا في كل مؤتمر كلمة مثل سائر الوفود المدعوة ، وكان لهذا المؤتمر بالذات قيمة كبرى حيث اعلن فيه الزعيم الراحل ياسر عرفات الاستقلال ، وإعلان قيام الدولة الفلسطينية .

  كنت أقيم مع وفود أخرى في احد فنادق العاصمة ، وننتقل يوميا بواسطة وسائل النقل المخصصة لوفدنا الى قاعة المؤتمرات الكبرى على شاطئ البحر ، وفي اليوم الأول كنا مع الوفود الأخرى امام الفندق ننتظر دورنا ومناداتنا للانتقال الى مكان المؤتمر ، ثم سمعت احد ضباط الشرطة الجزائريين المكلف بامر الضيوف ينادي بواسطة الميكريفون ( وفد كردستان ) فتفاجأت للوهلة الأولى ولم نتقدم على الفور ومانظرت من حولي الا ومعظم الأنظار متجهة نحوي ولمحت من بينها وفد حزب البعث اللبناني برئاسة الدكتور عبد المجيد الرافعي وكان لسان حال الجميع يقول : انهم ينادونك ، فتقدمت الى سيارة ( وفد كردستان ) ، وغادرنا باتجاه منطقة الصنوبر حيث قاعة المؤتمرات .

  في ذلك اليوم وبعد الجلسة المسائية اصطحبني القائد بحركة فتح الصديق الشهيد صلاح خلف – أبو اياد الى مكان اقامته في احدى الفلل المجاورة لقاعة المؤتمرات ، ثم سالني هل سمعت ماحصل اليوم  بشانكم  ؟ فاجبته بالنفي ولكنني تذكرت في قرارة نفسي موضوع ( وفد كردستان ) واكمل ان الوفد العراقي برئاسة – وطبان التكريتي – الأخ غير الشقيق لصدام حسين ، والوفد البعثي اللبناني برئاسة د عبد المجيد الرافعي عضو القيادة القومية لحزب البعث ومسؤول قطر لبنان ، ، احتجوا لدى الأخ أبو عمار ، وهددوا بالانسحاب في حال تكرار المناداة ( بوفد كردستان ) ، بل اكثر من ذلك اوصلوا احتجاجهم الى الاخوة الجزائريين .

  لم يمضي وقت طويل حتى حضر الراحل ابوعمار وبشكل مفاجئ حيث كان مكان اقامته بجوار – أبو اياد – وما ان وقع نظره علي حتى ناداني ممازحا : ايه ياصلاح اعلنتم عن استقلال كردستان ؟ فاجبته اخ أبو عمار بطلعلكم استقلال فلسطين بطلعلنا كمان استقلال كردستان ، ثم اخبرنا بانه أجاب على احتجاجهم السخيف بالقول : لدينا أصدقاء من المناضلين الكرد ووجهنا لهم الدعوة كحركة كردية ، اما ان الجزائري ناداهم بوفد كردستان فهذه ليست مشكلتنا ، ولا مشكلة الوفد الكردي ، وكما فهمت حاول الوفد البعثي اشعار الفلسطينيين بإمكانية مغادرة الوفد الكردي ولكن لم يلقي ذلك اية استجابة .

  قدمت شرحا وافيا في تلك الجلسة معنى كلمة كردستان باللغة الكردية : موطن الكرد ، او المنطقة الكردية باللغة العربية ، وان هناك كردستان التاريخية في الذاكرة الكردية قبل التقسيم ، والان هناك أجزاء من كردستان موزعة بين أربعة دول ، وان المؤرخين العرب الأوائل هم من اطلقوا كلمة كردستان للمرة الأولى بعد استخدامها من جانب المؤرخين  اليونان في القرون الماضية ،ثم  القنصليات الأجنبية في تركيا وايران وخاصة الروسية  ثم المستشرقين الذين قاموا بزيارات الى المنطقة منذ القرن الثامن عشر .

  ثم تحولت السهرة بعد ذلك الى تبيان مدى سوء عقلية الأنظمة العربية الحاكمة ، ومعاداتها للديموقراطية وحقوق الانسان ، وقد سمعت أبا عمار يردد : اليوم يعادون الكرد كشعب مناضل من اجل الحرية وغدا قد يعادون شعبنا أيضا لان قضية الحرية لاتتجزء .

  في اليومين الأخيرين للمؤتمر بدأ نفس الضابط المكلف بمناداتنا بوفد ( الكرد ) بدلا من ( وفد كردستان ) وذلك كان إنجازا للوفد البعثي علما ان هؤلاء كانوا اعترفوا باتفاقية آذار القاضية بالحكم الذاتي لكردستان العراق قبل ثمانية عشر عاما ، وماحصل من تبديل في الاسم لم يغير بطبيعة الحال وجودنا ، ومكانتنا ، وقدمت كلمتي باسم الحركة الكردية بحضور الوفود بمافيهم الرئيس الجزائري .

     ان اول مؤرخ عربي اطلق اسم كردستان هو – ابن حوقل – في كتابه – صورة الأرض – عام ٩٧٧ ميلادي ، كما ان السلطان السلجوقي – سنجر – اطلق أيضا اسم كردستان في القرن الثاني عشر الميلادي ، وقد سبق ان ظهر اسم كردستان في كتاب – توم برمير – المنشور عام ١٧٧٢ ميلادي وقبل الجميع ذكر المؤرخ اليوناني – اكزنفون – الكرد وموطنهم في كتابه المعروف – اناباس – قبل الميلاد .

  الدستور العراقي يتضمن رسميا اسم – إقليم كردستان العراق – حتى في ايران هناك محافظة باسم – كردستان – كانت تركيا في بداية اعلان الفيدرالية بكردستان العراق ترفض خلال التعامل التجاري اية وثائق تحمل اسم كردستان ، وقد شاهدت في احد أيام تلك الفترة وانا انتظر للعبور في معبر إبراهيم الخليل نحو – زاخو – امراة كردية عراقية تحمل طفلا صغيرا تبكي وتولول عندما اجبرها الجندرمة التركية للعودة من حيث أتت لان اسمها في جواز السفر العراقي – كردستان – رغم حصولها على الفيزا ، ولكن الان تغير كل ذلك ويستقبل الرئيس التركي مسؤولي الإقليم ووراءهم علم كردستان العراق الى جانب العلم التركي .

  غالبية – المتطيرين – من اسم الكرد وموطنهم التاريخي ، وصفوهم بإسرائيل ثانية ، وبما انهم الان يعترفون بوجود الأولى فقد  انتهىت أسباب  الحذر .

   وبحسب تجربتي الطويلة في حوارنا مع شركاء الوطن من مختلف الميول والاتجاهات السياسية ، فان القسم الأكبر وبكل اسف لايسعى الى فهم الحقيقة الكردية السورية تاريخا ، ووجودا ، بل يحمل موقفا سلبيا مسبقا ملؤه الحذر غير المبرر وهذا ماتعلمه من اعلام ، وتربية ، وسياسات ، وممارسات الأنظمة الشوفينية الشمولية تجاه الكرد خلال عقود ، ولاشك ان التخلص من هذه العقدة ، وتصفية آثارها من صلب مهام العهد الجديد وبالتعاون مع سائر الوطنيين ، والديموقراطيين من الكرد والعرب .

  كنت شاهدا على مدى معاناة القيادة الفلسطينية الشرعية من الضغوط التي تمارسها الأنظمة الدكتاتورية بسبب او بدون سبب ، وكانت تبحث عن اقل الذرائع لقطع المساعدات عن منظمة التحرير التي كانت تعتمد على مساعداتها في كثير من المراحل ، وقد كانت براعة الراحل ياسر عرفات ، وحسن أدائه ، وشجاعة اخوانه كفيلة بتذليل الكثير من العقبات في مجال علاقاتهم مع النظام العربي الرسمي  .

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…