صراخ الأرض: عندما ترفض الأصوات أن تُسكت

بوتان زيباري

اليوم، في حقول الحسكة، حيث تلتقي الرمال بالدم والذاكرة، وقفت سوريّة أخرى على أرضها. ليست تلك التي تُعلن من قصور الشام، ولا التي تُفاوض باسمها سفراء الدول الكبرى، بل تلك التي تنبض تحت الرماد، وتُنادي من قلب الدمار: كفى. كفى صمتًا، كفى تهميشًا، كفى ادّعاءات بالوحدة بينما يُقتل الناس باسم الوحدة، ويُنهب بيتهم باسم الوطن.

في هذا اليوم، لم يجتمع رؤساء ولا وزراء، بل اجتمع شعب. اجتمع من كان يُنظر إليه كأقليات، لكنهم اليوم أدركوا أنهم ليسوا أقلية في وطنهم، بل هم جوهره، هم الجذور التي لم تُقتل رغم كل المحاولات. اجتمع الدروز الذين تُحاصر مدنهم، ويُقتل أبناؤهم، ويُهدم بيتهم، بينما يُقال إن “الدولة” جاءت لحمايتهم. اجتمع الكورد الذين تُحاصر مناطقهم، وتُهدد وجودهم، وتُشوه نضالهم. اجتمع العلويون الذين تُستهدف قراهم، وتُنسج ضدهم المؤامرات باسم الطائفية. اجتمع السريان، والإيزيديون، والعرب السنة، والتركمان، والأرمن، والكلدان، والمسيحيون، كل من حمل اسم “آخر” في لعبة السلطة المركزية التي لا تعرف سوى الاستئثار.

لم يكن المؤتمر تجمعًا سياسيًا عاديًا، بل كان صرخة وجود. صرخة من قالوا: نحن ما زلنا هنا، وما زلنا نعيش، وما زلنا نرفض أن نُمحى. لم يكن مجرد لقاء، بل كان إعلان حداد جماعي على الدولة التي ماتت، وإعلان ولادة جديدة لفكرة مختلفة: دولة لا  مركزية في يد رجل واحد، ولا في عاصمة واحدة، ولا في طائفة واحدة، بل دولة تُوزع فيها السلطات، وتُحترم فيها التنوّع، وتُبنى فيها الوحدة على أساس الشراكة، لا على أساس الهيمنة.

لقد رأينا كيف، في الساعات التي سبقت هذا اللقاء، اجتمع القتلة في الشام، وخططوا لقتل المزيد. رأينا كيف يُرسلون قبائل من الجنوب لذبح الدروز في السويداء، ثم يُعلنون بعدها أنهم جاءوا لحمايتهم. رأينا كيف يُحاصر المدن، ويُمنع عنها الطعام والدواء، بينما يُبنى مترو ومشاريع فاخرة في قلب العاصمة، وكأن البلاد تُعاد بناؤها من فوق، بينما تُهدم من تحت. رأينا كيف يُهاجمون من يُرسلون المساعدات الإنسانية، وكأن الخبز والدواء سلاح خطير على النظام.

وفي وسط هذا الجنون، تُعقد محادثات في باريس، يُفترض أنها تُريد “الوئام”، لكنها في الحقيقة تُريد تسوية تُرضي القوى الكبرى، وتُهمّش من يعيش على الأرض. يُقال: نريد أن نُدخل قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني، لكن أي جيش؟ جيشٌ تُسيطر عليه مليشيات، وتُدار بمنطق الطائفة والولاء، لا بالانتماء للوطن؟ جيشٌ يُقتل فيه المدنيون، ويُهجر الآلاف، ويُباد الدروز، ثم يُقال: انضموا إليه؟

هذا المؤتمر في الحسكة لم يكن فقط رفضًا للانضمام، بل كان رفضًا للمنطق نفسه. رفضًا لفكرة أن الحل يأتي من فوق، من عواصم القرار البعيدة، أو من قصر في الشام. كان تأكيدًا أن الحل يجب أن يبدأ من الأرض، من الذين يعيشون الخطر كل يوم، من الذين فقدوا أحبّتهم، وبيوتهم، ومستقبلهم. كان تأكيدًا أن من يُريد أن يفهم سوريا، يجب أن يسمع أولاً من أهل السويداء، ومن الحسكة، ومن رأس العين، لا من مكاتب المفاوضات.

لقد أصبح واضحًا الآن أن الفجوة بين الدبلوماسية والواقع الميداني لم تعد فجوة، بل صدعاً عميقاً. بينما يُناقشون في باريس وواشنطن وموسكو “الاستقرار”، يُقتل الناس في السويداء. بينما يُخططون لانتخابات تُعطي شرعية لمن لا يملكها في القلوب، يُحاصر الناس في مدنهم. بينما يُعلنون عن “الانتصار”، يُهدم البلد حجرًا حجرًا.

وهنا، في هذا الصدع، برزت قوات سوريا الديمقراطية ليس كقوة عسكرية فقط، بل كملاذ. ليس لأنها مثالية، بل لأنها الوحيدة التي لم تُشارك في مجازر السويداء، الوحيدة التي أرسلت مساعدات إلى المُحاصرين، الوحيدة التي قالت: نحن نحمي كل من يعيش في مناطقنا، مهما كانت دينه أو عرقه. ولهذا، فإن دعم العشائر العربية لها، ومشاركتها في المؤتمر، ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل هو خيار بقٍ. لأنهم يعرفون أن من يُهاجم السويداء اليوم، قد يُهاجمهم غدًا.

لقد أدرك الجميع الآن أن النظام الجديد، مثل القديم، لا يُريد شراكة، بل يُريد خضوعًا. لا يُريد دولة، بل يُريد إقطاعية. لا يُريد وحدة، بل يُريد هيمنة. وهو لهذا، يُهاجم كل من يُطالب باللامركزية، بالفيدرالية، بالحكم الذاتي، لأنه يعرف أن هذه المطالب ليست مجرد شعارات، بل هي تهديد لوجوده.

لكن الأهم من كل هذا، أن هذا المؤتمر لم يكن فقط تحالفًا سياسيًا، بل كان إعلان تضامن إنساني. كان رسالة إلى العالم: نحن ما زلنا نُقاتل من أجل البقاء. نحن لا نطلب منكم أن تُحاربوا عنا، بل نطلب منكم أن تروننا. أن تسمعوا صوتنا. أن تتوقفوا عن التعامل مع من يُدمرنا وكأنه “الحل”. نحن لا نُريد احتلالًا، ولا نُريد تدخلًا، لكننا نُريد أن يُفتح الطريق أمام المساعدات، أن تُحقق في الجرائم، أن يُرفع الحصار، أن يُعترف بوجودنا كأصحاب حق، لا كأوراق مساومة.

وتركيا، التي تُهدد بقطع أي ممر بين السويداء ومناطق الإدارة الذاتية، تُخطئ جوهريًا. لأنها ترى في هذا الممر تهديدًا أمنيًا، بينما هو في الحقيقة فرصة إنسانية، وفرصة استراتيجية. لأن من يُدافع عن الدروز والعلويين والأكراد والعرب، ليس عدوًا، بل قد يكون حليفًا في معركة ضد الفوضى والطائفية والإرهاب. لكنها تُفضل أن تُبقي النار مشتعلة، خوفًا من أن يُصبح السلام تهديدًا لمصالحها القصيرة.

في النهاية، فإن ما حدث في الحسكة ليس مجرد حدث، بل هو بداية. بداية لوعي جماعي بأن البقاء لا يأتي بالاستجداء، بل بالموقف. أن الشرعية لا تُمنح من الخارج، بل تُبنى من الداخل. وأن سوريا لا يمكن أن تُعاد بناؤها إلا إذا اعترف الجميع بأنها ليست دولة لطائفة، ولا لعرق، ولا لرجل، بل وطن لكل من عاش فيه، وضحّى من أجله.

الصراخ اليوم في الحسكة ليس صوتًا واحدًا، بل هو صدى آلاف الأصوات التي رُفعت من تحت الرماد. صوت من قال: كفى. كفى قتلًا، كفى تهميشًا، كفى ادّعاءات. نحن هنا، وسنبقى. وسنُعيد بناء وطننا، ليس على أنقاض بعضنا، بل على أساس العدالة، والمساواة، والاحترام المتبادل. لأن الأرض، في النهاية، لا تنسى من يزرعها، ولا تغفر لمن يدوس على أبنائها.

السويد

09.08.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…