الكرد ما بعد الأسد: من التهميش إلى الشراكة في صناعة المستقبل

أكرم حسين
دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، حيث انتقلت البلاد من حقبة استبدادية إلى عهد انتقالي تقوده السلطة المؤقتة برئاسة السيد أحمد الشرع ، معلنة بداية لإعادة صياغة المشهد الجيوسياسي داخل سوريا وعلى مستوى الإقليم. فمع خروج دمشق من تحت عباءة المحور الروسي – الإيراني، ظهرت الولايات المتحدة بوصفها الفاعل الرئيسي الجديد، واضعة يدها على مفاصل العملية السياسية في سوريا، ومعلنة بدء مرحلة جديدة قد تحمل في طياتها الكثير من التحديات، ولكن أيضاً الكثير من الفرص، لا سيما للكرد الذين يملكون اليوم موقعاً مميزاً في معادلة ما بعد الأسد.
لقد شكّل الحضور الروسي والإيراني طوال عقود مرجعية السياسة السورية، عبر دعم النظام أمنياً وعسكرياً وسياسياً، خصوصاً في مراحل الصراع الداخلي بعد عام 2011. إلا أن المتغيرات الدولية والإقليمية الأخيرة—خاصة انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، وتراجع النفوذ الإيراني تحت وطأة العقوبات والغارات الإسرائيلية والرفض الشعبي السوري لدورها—أفسحت المجال أمام واشنطن لتعيد التموضع كلاعب أول في الملف السوري، متجاوزة بذلك دورها التقليدي الذي كان ينحصر في محاربة الإرهاب.
بات واضحاً أن السياسة الأميركية في سوريا اليوم لم تعد تقتصر على البُعد الأمني، بل تتجه إلى دعم انتقال سياسي فعلي، يقوم على بناء نظام حكم تشاركي يضمن تمثيلاً عادلاً لمختلف المكونات القومية والدينية، وفي مقدمتها الشعب الكردي، الذي لطالما كان مهمشاً في تاريخ الدولة السورية المعاصرة. وقد ظهر هذا التوجه جلياً من خلال الدعم الأميركي المعلن للمسار الذي يقوده أحمد الشرع، بعيداً عن مساري أستانا وسوتشي اللذين فقدا قيمتهما السياسية بعد انهيار النظام البائد .
في هذا السياق، يقف الكرد أمام لحظة سياسية نادرة. فللمرة الأولى منذ عقود، لم يعودوا مجرد قوة أمر واقع في شمال شرقي البلاد، بل أصبحوا شركاء محتملين في إعادة تأسيس الدولة السورية على أسس جديدة. فقد أتاح لهم تراكم تجربتهم في الإدارة الذاتية، والتضحيات التي قدّموها في محاربة الإرهاب، أن يكونوا رقماً صعباً في المعادلة السورية، خصوصاً بعد توقيع اتفاق العاشر من آذار 2025، الذي اعترف بدورهم كشريك في العملية السياسية، وضمن لهم التمثيل في مؤسسات الدولة القادمة، مدنيةً كانت أم عسكرية.
مع ذلك، فإن تحويل هذه الفرصة إلى واقع ملموس يتطلب جهداً سياسياً وتنظيمياً مضاعفاً من قبل القوى الكردية ذاتها. لا يكفي أن يكون هناك دعم دولي وإقليمي، بل المطلوب أولاً وحدة صف داخلية، ورؤية سياسية موحدة تتجاوز الانقسامات الفئوية والخلافات الحزبية التي طالما أضعفت الموقف الكردي في المحطات المصيرية. وقد شكّل “كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي” المنعقد في 26 نيسان 2025 خطوة مهمة في هذا الاتجاه، عبر بلورة رؤية مشتركة تتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية.
لكن التحديات لا تزال قائمة. فالقوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، تنظر بعين القلق إلى صعود الدور الكردي في سوريا، خاصة في ظل الغطاء الأميركي الواضح لهذا الدور. أنقرة، التي تملك وجوداً عسكرياً فعلياً في شمال البلاد، ترى في تعزيز الحضور الكردي تهديداً لأمنها القومي، وتخشى من تداعيات ذلك على ملفها الداخلي. من جهة أخرى، فإن تراجع النفوذ الإيراني، الذي رافقه تفكك فعلي في أذرع طهران الإقليمية بعد تصفية حزب الله في سوريا وانهيار قوى حليفة كحماس، أوجد فراغاً سياسياً لا تزال بعض الأطراف تسعى لملئه، سواء بالمواجهة أو بالشراكة.
هذا الواقع الجديد يفرض على الكرد أن يديروا تحالفاتهم بعقلانية، وأن يوازنوا بين الحفاظ على مكتسباتهم، والانخراط الذكي في المشروع الوطني السوري الأشمل. فالمرحلة الحالية لا تحتمل المغامرات ولا التمترس خلف شعارات ضيقة، بل تتطلب مرونة سياسية واستعداداً للعب دور بنّاء ضمن خارطة سوريا الجديدة، على قاعدة المواطنة المتساوية، والتعددية، والشراكة الحقيقية.
ومن هنا، فإن الكرد أمام مفترق طرق واضح: إما أن يكونوا جزءاً من صناعة مستقبل سوريا، ضمن توافق وطني يراعي حقوق الجميع، أو أن يبقوا أسرى صراعاتهم الداخلية ومشاريعهم الجزئية، التي أثبتت التجربة مراراً أنها لا تفضي إلى نتائج ملموسة. 
إن لحظة إعادة تأسيس الدولة السورية قد لا تتكرر، وإذا لم تُترجم التضحيات الكردية إلى مكانة دستورية واضحة ومشاركة فعلية في صنع القرار، فإن خطر العودة إلى منظومة الاستبداد سيبقى قائماً، ولو بثوب جديد.
إن سوريا اليوم تُعاد صياغتها في ظل ظرف سياسي استثنائي، وإذا ما أحسنت القوى الوطنية—ومن ضمنها الكرد—التعامل مع هذه اللحظة، فقد تكون هذه بداية حقيقية لبناء دولة عادلة، ديمقراطية، تعكس تنوع المجتمع السوري وتضمن لجميع مكوناته مكانة متساوية. لذلك، فإن المشاركة الكردية في المرحلة الانتقالية يجب أن تُفهم كاستحقاق تاريخي ووطني، تفرضه التضحيات وتمنحه الضرورة.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تتمكن القوى الكردية من استثمار اللحظة الراهنة، والتصرف بمسؤولية وطنية عالية، لضمان شراكتها الكاملة في سوريا القادمة. وهذا يتطلب قرارات شجاعة، وخيارات استراتيجية، تعيد التوازن لسوريا، وتفتح أبواب المستقبل أمام شعبها بكل مكوناته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…