العشائر العربية بين الولاء للنظام وتقلب المواقف: الكرد وتجربة المحيط المضطرب

حسن برو

لم تكن العلاقة بين المكوّن الكردي وبعض العشائر العربية في شمال وشرق سوريا قائمة يوماً على شراكة وطنية متكافئة. فعبر عقود من التاريخ السياسي الحديث، بدا واضحاً أن جزءاً كبيراً من هذه العشائر اختار الاصطفاف المستمر إلى جانب السلطة المركزية، سواء كانت في دمشق تحت قبضة البعث، أو السلطة الحالية في دمشق أوحتى في أنقرة وفق أجندة حزب العدالة والتنمية والتي تحتل بدورها المدن السورية كسري كانيه وعفرين وجرابلس.
هذا الولاء العشائري لم يكن ظاهرة عابرة، بل ترسّخ كنهج مستمر منذ بدايات حكم البعث، حيث اعتادت هذه العشائر استقبال كل مسؤول أمني جديد بحفاوة بالغة، وبالولائم والعطايا، تأكيداً على انخراطها في شبكة ولاءات معقّدة، تتبادل فيها النفوذ مقابل الامتيازات.
الانتخابات بدورها تحوّلت إلى موسم للصفقات، حيث يتوافد شيوخ العشائر إلى العاصمة دمشق محمّلين بالهدايا، طمعاً في ضمان مناصب لأبنائهم أو المحسوبين عليهم. ولم تسلم حتى التعيينات القضائية من هذه الآليات، ما جعل الولاء للنظام مدخلاً فعّالاً لبناء النفوذ الشخصي والعائلي.
تجربتنا الكردية مع هذه البُنى العشائرية تجسدت بوضوح عقب انتفاضة 12 آذار 2004، عندما خرجت المدن الكردية في احتجاجات واسعة طالبت بمحاسبة المسؤولين عن التحريض والعنف، من بينهم المحافظ الأسبق سليم كبول. في تلك الأثناء، التقيت بأحد شيوخ العشائر الذي لم يتردد في القول: “نحن نمثّل الدولة”، في تبرير لتورطهم في قمع المحتجين وسرقة ونهب المحلات في كلا من سري كانيه والحسكة .
وعندما واجهته بأن إطلاق النار على متظاهرين سلميين لا يدخل ضمن أي شرعية، أصرّ على اتهامنا بالسعي للانفصال. لقد كان يكرر – بوعي أو بغير وعي – رواية الأجهزة الأمنية التي خدمها، وربما كتب تقاريرها بيده.
هذا النمط من الولاء لم يتغيّر مع اندلاع الثورة السورية عام 2011. فعندما خرجنا تضامناً مع درعا، وقفوا ضدنا، وحين دخل الجيش الحر مدينة سري كانيه من الحدود التركية، استقبلوه وشاركوا في مؤتمر عُقد في أورفا مطلع 2013. يومها انسحبت من المؤتمر، بعدما رأيت ذات الوجوه التي صفّقت للأمن السوري تعود لتصفق لمعارضته!
وعندما استعادت وحدات حماية الشعب المدينة، تظاهروا بالولاء لها، ثم سرعان ما انقلبوا مجدداً مع دخول القوات التركية عام 2019. إنها نفس الأسماء، نفس الوجوه، تختلف الشعارات ولكن تبقى المصالح ثابتة.
اليوم يعودون إلى الساحة بخطاب “الانفتاح” و”الوحدة الوطنية”، بينما لا يزال الجوهر على حاله: انحياز دائم للسلطة، لا للحق. إنهم لا يملكون مشروعاً وطنياً، بل يتحركون وفق منطق الربح والخسارة، ويعيدون تموضعهم حسب اتجاه القوة.
لهذا، فإنني أقول لإخواننا في السويداء وفي سائر القوى الوطنية السورية: لا تتُفاجَؤوا. الكثير من أدوات القمع لم تكن سوى امتدادات محلية للنظام، تحركت تحت عباءة العشيرة، ونفّذت تعليمات السلطة دون تردد، حتى وإن كان الضحايا من أبناء طائفتهم.

إننا أمام بنية عشائرية ترى في الدولة وسيلة للتمكين، لا للعدالة، وفي السلطة فرصة لا مسؤولية. وهي مستعدة لتغيير خطابها كل مرة، شرط أن تحافظ على مكانها قرب مركز القرار.
ملاحظة لابد منها بعض العشائر القليلة والأصيلة في المنطقة حافظت في تعاملها مع النسيج المحيط بها متيقنة أن الحكام والسلطات تتبدل إلا أن الشعوب  تبقى

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…