نحو مؤتمر وطني شامل ودولة تعددية لا مركزية

بيان إلى الرأي العام
بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على سقوط نظام الأسد، إثر انهياره الدراماتيكي، واستلام الإدارة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع مقاليد الحكم في دمشق، دخلت سوريا مرحلة جديدة في تاريخها السياسي الحديث. مرحلةٌ طال انتظارها، جاءت بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحروب الداخلية والصراعات الإقليمية والدولية التي أنهكت البلاد وأثقلت كاهل شعبها.
استبشر السوريون خيراً بسقوط نظام الاستبداد، وتطلّعوا إلى عهدٍ جديد من الحرية والعدالة والمشاركة السياسية الواسعة، إلا أن الإدارة المؤقتة سرعان ما خيّبت تلك الآمال، بدءاً من انعقاد المؤتمر الوطني، الذي أقصى العديد من المكوّنات السياسية والاجتماعية والثقافية، واختُصر على لونٍ سياسي واحد، في تجاوزٍ صريح لمبدأ التعددية والتشاركية.
وجاء الإعلان الدستوري ليكرّس نهج التفرد بالسلطة، متجاهلاً مطالب الشارع السوري في بناء دولة مؤسسات تحكم بالقانون. أما المرسوم الصادر بشأن تشكيل مجلس الشعب وآلياته، فقد مُنح الرئيس صلاحيات مطلقة تُعزّز من هيمنة طرفٍ واحد، وتعيد إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة.
وعقب الأحداث المأساوية في الساحل، والتفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، جاءت محاولة الحكومة المؤقتة فرض هيمنتها على مدينة السويداء بالقوة العسكرية، عبر عملية شارك فيها بعض من عشائر البدو ،ارتُكبت خلالها مجازر بحق المدنيين العزّل، وترافقت مع خطاب كراهية وتحريض ساهم في تعميق الانقسام والشرخ بين المكونات السورية على أسس طائفية ومجتمعية خطيرة.
إننا في الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، إذ ندين هذه الممارسات بأشد العبارات، و ندعو إلى الاحتكام للغة العقل والحوار، وإلى عقد مؤتمر وطني شامل لا إقصاء فيه، بمشاركة جميع المكوّنات، لرسم خارطة طريق نحو بناء دولة ديمقراطية، تعددية، لا مركزية.
كردياً، نؤكد تمسكنا ودعمنا لمخرجات كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي الذي عُقد في مدينة القامشلي، وضرورة تفعيل دور الوفد الكردي المفاوض المشترك الذي نعتبره الممثل والمخوّل الوحيد للتفاوض مع دمشق من اجل تثبيت حقوق الشعب الكردي في سوريا دستورياً. ونرى أن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بما صدر من مخرجات الكونفرانس، بل بلورة رؤى وآليات مشتركة للعمل كحركة سياسية كردية موحدة على كافة الأصعدة، والتشبيك مع القوى الوطنية والديمقراطية السياسية والاجتماعية السورية.
كما نؤكد أهمية إيجاد آلية تنسيق فعالة بين وفد الإدارة الذاتية والوفد الكردي المفاوض، بما يخدم القضية الكردية والقضية السورية عموماً.
المكتب السياسي للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا
القامشلي، 04 آب 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…