صدى العهد والتفويض الثائر: صوت كوردي في رحلة دستور وأرض

بوتان زيباري

في قلب مشهدٍ سياسي معقّد، تبرز قضية اتفاق 10 آذار كمنعطف مفصلي لا يُمكن تجاوزه. حكومتنا الانتقالية، التي ظهرت بأطروحات جديدة، امتنعت عن التمسك بالتزامات الاتفاق السابق، ولم تضمّن كل بنوده في مسودة الدستور. وهنا يكمن الشك الجوهري في نواياها نحو علاقة حكومة دمشق مع كورد روجافا وقواتهم العسكرية، وما إذا كانت تسعى لترسيخ شراكة أم للهدم والنكران.

الصوتُ الذي يخرج من ضميرنا يقول بكل وضوح: ما لم تتحقق حقوقنا الدستورية بشكل جلي، لن نقبل بأي شروط تُقنَع لنا أو تُفرض علينا. إن رؤية الحكومة الانتقالية تقوم على حل مؤسسات الإدارة الذاتية وإلغاء طابعها السياسي والخدمي، تُفهم كمشروع يهدف إلى محو هويتنا، وليس كبداية تفاهم. أما نحن، فنرى في مشروع الإدارة الذاتية دعامة صلبة — لا حجر عثرة — لتعزيز تماسك الدولة السورية، ولتكوينها على أساس التعددية بدلاً من المركزية.

نحن كمكوّن كوردي نطمح إلى بناء سوريا تتسع لجميع مكوّناتها. دولة تعددية تضمن حقوق جميع الشعوب والطوائف، تُقدّم مواطنيها على اختلافاتهم أولى من أي لغة رسمية مفروضة أو علم موحد ثقافةً أو هويةً. السلطة الدولية والحكومة المركزية يبحثون عن تنازلات، يريدون منا أن نتخلى عن لغتنا، أن نشترك في علمٍ واحد، أن نذوب في ثقافة واحدة، لكننا بالقوة التي تمنحنا إيماننا بهويتنا نرفض هذا القهر.

في الساحة الرقمية العامة، تجد ترجمات دقيقة واتفاقات موثّقة في الأخبار، أبرزها اتفاق 10 آذار بين قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، ورئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع الموقّع في 10 مارس 2025، والذي تضمن: ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية بناءً على الكفاءة دون تمييز ديني أو عرقي، والاعتراف بالمجتمع الكوردي كجزء أصيل من الدولة السورية يحق له الجنسية وحقوقه الدستورية، وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية، ودمج جميع مؤسسات شمال وشرق سوريا المدنية والعسكرية ضمن الدولة المركزية بما في ذلك معابر الحدود والمطارات وحقول النفط والغاز، وضمان عودة النازحين ودعم مكافحة بقايا النظام السابق، ورفض أي خطاب يُثير الانقسام والكراهية، وتشكيل لجان تنفيذية تُشرف على تطبيق الاتفاق قبل نهاية عام 2025.

لكن الواقع السياسي الآن يشكو من ثغرات، فالسلطات الانتقالية لم تدمج السوط العسكري ككتلة مستقلة كما كان متفقًا حسب بنود الدمج، ولم تترجم الالتزامات الدستورية عمليًا، مما خلق حالة من الاحتجاج ورفض التنازلات عن حقوق الكورد، مؤكدًا أن الحكومة لم تلتزم بالتوقيت أو آليات الدمج، ووضعت نفسها تحت سلطة حزب واحد بعكس التعددية المفترضة، مع عرقلة عودة المهجّرين من مناطق تحت الاحتلال التركي

من ذلك نستخلص أنّ موقفنا السياسي ليس رفضًا للتفاوض أو الشراكة، بل هو رفض لسياسة التهميش المركزية. نطلق صوتًا كورديًا، صارخًا في العهد والتفويض: إن الإدارة الذاتية ليست عقبة، بل طريق لتوطيد الدولة، ودستورٌ لا يعترف بنا ليس دستورنا، ومسودةٌ تُقصي أحلامنا عنها لا تُبنى عليها دولتنا. نرفض لغةً واحدة، علمًا واحدًا، ثقافةً واحدة، فقد كنا ولا نزال أصحاب أرضٍ متعددة الأصوات والنسيج الاجتماعي الغني. في صمت هذه السلطة نحن نصدح، وفي تمسّكنا بحقوقنا نبني فجر سوريا الجديدة، فلتسمع السماء والصحراء صدى كلماتنا القائمة على الحق والدستور والعودة.

هذا هو الصوت الكوردي الحر: إن حرية التمثيل وكرامة الهوية لا تُباع، ولم تُشترَ، بل تُنال بدستورٍ يعتنق التعددية، وبإدارة تعترف بنا شريكًا في الموجود لا عائقًا أمام المستقبل.

 

السويد

25.07.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…