الكرد والدولة السورية بين خطاب السيادة ومآلات التفاهم المؤجل

حوران حم
في مشهد سوري معقد، تطفو على السطح مجددًا معضلة العلاقة بين الدولة المركزية في دمشق، والمكون الكردي ممثلًا بقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في ظل تصاعد الحديث عن حوارات محتملة، وتقارير تؤكد وجود مفاوضات بوساطة إقليمية ودولية، تقابلها تسريبات إعلامية من مصادر رسمية تشدد على “الوحدة والسيادة” وترفض أي شروط مسبقة. ولكن، هل يمكن لدولة متعددة الطوائف والقوميات أن تُبنى على هذا الشكل من الرفض المسبق للحوار المفتوح؟ وهل يُعقل أن تتشكل سوريا المستقبل من دون تفاهم صريح وشراكة حقيقية مع مكون رئيسي بحجم الكرد؟
السيادة السورية تحت مجهر الأزمة
التصريحات الصادرة عن مصدر حكومي سوري لقناة “الإخبارية” حول المفاوضات مع “قسد”، تحمل دلالات صلبة تعكس فلسفة الحكم في دمشق: لا حوار تحت ضغط السلاح، لا تفاهم خارج إطار “الدولة الواحدة والجيش الواحد”، ولا قبول بأي كيان عسكري أو سياسي ذي صبغة مستقلة أو منفصلة.
يُقرأ هذا الموقف باعتباره امتدادًا لرؤية السلطة التي واجهت مختلف المكونات السورية – من حواضن الثورة إلى الكرد، ومن دروز السويداء إلى علويي الساحل – بمنطق الإخضاع لا التفاوض، والترويض لا الاعتراف. ورغم تغير خطاب رأس الدولة، أحمد الشرع، بعد مجازر السويداء الأخيرة، إلا أن أجهزة الدولة لا تزال تتحدث بمنطق ما قبل الأزمة، ما يجعل أي فرصة لحوار جاد أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.
المعضلة الكردية: التكرار المأساوي لمسارات الآخرين
يحذر مراقبون من أن غياب التفاهم الحقيقي مع الكرد اليوم، سيقود إلى نتائج كارثية شبيهة بما حدث مع الطائفة العلوية في بدايات الثورة، أو مع الدروز في جبل العرب مؤخرًا. حينها، لم تنفع شعارات “الوحدة الوطنية” في كبح عنف الدولة، ولم تمنع محاولات “الاستيعاب” من إنتاج مزيد من الفوضى والتطرف والانقسام. الكرد، الذين كانوا في مقدمة من حارب “داعش” وصنعوا توازنًا عسكريًا في الشمال الشرقي، باتوا اليوم مهددين بأن يكونوا ضحية جديدة لمعادلة “إما الولاء الكامل أو الإقصاء التام.
الخطورة الكامنة: شروط مقابل التطبيع؟
في كواليس السياسة، يهمس كثيرون بأن هناك صفقة غير معلنة تُطبخ بهدوء: تطبيع مع إسرائيل مقابل ضمان عدم تدخلها في شؤون الأقليات السورية، ومنها الكرد. وإذا ما صح هذا السيناريو، فذلك يعني أن الدولة مستعدة لتقديم أوراق المكونات السورية قربانًا على مذبح الاستقرار الموعود. وهنا، يصبح الكرد أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الذوبان الكامل في “حضن الدولة” دون أي ضمانات دستورية أو ثقافية أو أمنية، وإما الإبقاء على السلاح والمخاطرة بمواجهة شاملة مع دمشق وربما حلفائها في المنطقة.
شروط الدولة أم شروط التفاهم؟
إن الحديث عن رفض “التهديدات” و”الشروط المسبقة” من قبل “قسد” لا يمكن أن يكون مقبولًا في ظل تجاهل الدولة لمطالب الكرد المشروعة منذ عقود: الاعتراف بالهوية القومية، ضمان حقوق اللغة والثقافة، توزيع عادل للموارد، تمثيل سياسي حقيقي، وجيش وطني جامع لا يقوم على المحاصصة بل على الكفاءة والانتماء.
رفض التسلح لا يُناقش بمعزل عن سبب وجوده، ورفض “الهوية المستقلة” لا يُعالج بالتخوين، بل بالاعتراف بالتعددية كسمة أصيلة في تركيبة البلاد. الهوية الوطنية لا تُفرض من الأعلى، بل تُصنع من الأسفل بالتفاهم والشراكة والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
 من الدولة القومية إلى الدولة التوافقية
لن تبنى سوريا الجديدة بالدبابة، ولا يمكن أن تكون “السيادة” أداة لقمع التنوع، بل يجب أن تتحول إلى مظلة تحمي الجميع. ما لم يُفتح حوار كردي-سوري جدي، مبني على الثقة لا على الاستعلاء، وعلى التفاهم لا الإملاء، فإن البلاد تتجه نحو إعادة إنتاج الحروب الأهلية بصيغ جديدة.
الكرد ليسوا ضيوفًا في سوريا، بل شركاء أصيلون، وأي مشروع وطني لا يحتضنهم في بنيته، سيبقى مشروعًا معطوبًا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…