لجنة تبرئة الإرهابيين

زاكروس عثمان

تُروّج وسائل اعلام الدول الداعمة لنظام الرئيس السوري المؤقت ابو محمد الجولاني تُروّج لما يُسمى بـ لجنة التحقيق الخاصة بجرائم القتل الجماعي التي طالت المكون العلوي في الساحل السوري، ويدعي نظام الجولاني بان اللجنة سالفة الذكر أدت واجبها المهني والإنساني بكل حيادية و على أكمل وجه، وأن نتائج تحقيقها ستُفضي إلى محاكمة المتورطين وتحقيق العدالة المنشودة.

لكن الواقع يفند هذا التصوير المبالغ فيه، إن لم نقل الكاذب. فهذه اللجنة التي طُبّلت لها الأبواق الإعلامية، لا تملك أدنى درجات الاستقلالية أو الحياد، إذ أنها شُكّلت من قِبل النظام الارهابي الحاكم في سوريا، والذي دفع بإرهابيي تنظيم هيئة تحرير الشام تحت مسمى جهاز “الأمن العام” التابع  للجولاني  إلى الساحل للتنكيل بالعلويين، ليكون أحد الأطراف الرئيسية المتهمة بارتكاب الانتهاكات والمجازر.

هل يُعقل أن يُحقق الجاني مع نفسه؟ 

في معايير العدالة الدولية، لا يمكن أن يُؤتمن طرف متورط في النزاع، بل ومتَّهَم بارتكاب جرائم، على قيادة لجنة تحقيق بشأن تلك الجرائم. وهذا ما يجعل اللجنة المشار إليها باطلة من أساسها. فالعدالة تفترض تشكيل لجنة مستقلة، لا علاقة لها بالأطراف المتهمة، وتكون محمية قانونيًا، ولها حرية الوصول إلى الشهود، وتضمن سلامتهم، وتُرفع تقاريرها لاحقًا إلى جهات دولية مختصة.

أما في الحالة التي أمامنا، فقد جاء تقرير اللجنة منحازًا بشكل صارخ للسلطة التي أنشأتها، وهو ما ظهر جليًا خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أعضاء اللجنة. بدلاً من التركيز على الحقائق، راحوا يكيلون المديح لأبي محمد الجولاني، ويسوّقون لرواية تتهم “فلول النظام السابق” بالهجوم على اجهزة امن السلطة في منطقة  الساحل وسيطرتهم على بعض المدن، و تضيف الرواية بان الموقف تطلب استقدام تعزيزات عسكرية إلى المنطقة لمجابهة الفلول!!، وفي الحقيقة لم تكن هناك اية فلول بل هيئة تحرير الشام ومجموعات مسلحة اخرى موالية للسلطة الحاكمة هي من هاجمت الاهالي في مدنهم وقراهم و بدات بعمليات الابادة وارتكاب المجازر، ولكن اللجنة أغفلت هذه الصفحة و بررت الممارسات الارهابية للمسلحين الموالين للنظام.

شاهد الثعلب ذيله

هذا السلوك أثار سخرية واستهجان أهالي الضحايا، الذين علّقوا على أداء اللجنة بالقول: “شاهد الثعلب ذيله”. وهو مثلٌ يُضرب حين ينكشف أمر المحتال، ويظن الناس أنه يتستر على فضيحته بادّعاءات زائفة. والرسالة واضحة: طالما أن اللجنة من إنتاج السلطة المتهمة، فنتائجها ستكون مُفصلة على مقاس تلك السلطة.

حتى حين تحدث التقرير عن اعتقال بعض المسلحين، ظهر أن الشخصيات الأكثر تورطًا بقيت خارج المحاسبة. فـ”أبو الميش”، أحد أبرز المتهمين بارتكاب جرائم بحق المدنيين في مدينة جبلة، ظهر في تسجيلات مرئية وهو يتباهى بإحراق المدينة، ثم ظهر لاحقًا في السويداء دون أن تُتخذ بحقه أي إجراءات. فهل يُعقل أن تمر جرائم موثقة بالصوت والصورة مرور الكرام؟ وهل نسمي هذا تحقيقًا فعليًا أم مسرحية تبرئة؟

غياب الشروط الدولية لتحقيق العدالة

النهج الصحيح في قضايا بهذا الحجم، كالتي وقعت في الساحل أو حتى في مناطق الدروز، يقتضي تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ذات طابع دولي، بضمانات أممية واضحة، وتعاون من حكومة ديمقراطية أو على الأقل سلطة محايدة. هذه اللجنة يجب أن تمتلك الصلاحيات والدعم والغطاء القانوني الكامل للاستماع للشهود، وجمع الأدلة، وتوثيق الجرائم، بعيدًا عن تأثير أو ترهيب أي طرف.

وعند انتهاء عملها، يُفترض أن تُسلّم تقاريرها إلى محققين دوليين، ليتم تحويلها إلى محاكم مختصة بالنظر في جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وحدها هذه العملية يمكن أن تؤسس لمسار عدالة حقيقية، لا مكان فيه للثعالب التي تحقق في جرائمها بنفسها، ثم تُعلن نفسها بريئة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…