المرحلة الانتقالية قيادة بلا سلطة، وفصائل بلا انضباط …!!!

دلدار بدرخان

في مقال سابق كتبته قبل أسابيع، تطرقت فيه إلى أن رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع كان “رجل الضرورة” لقيادة المرحلة الانتقالية، فقد وقع عليه الاختيار لسببين رئيسيين:

الأول هو أنه يُحسب على الطائفة العربية السنية، والثاني أنه يقود تنظيماً عسكرياً ذو هيكل مؤسساتي “بغض النظر عن خلفيته العقائدية أو الأيديولوجية”، إلا أنه كان مسيطراً على تنظيمه سيطرة شبه كاملة، وكان هذا التنظيم يحمل هيكلاً هرمياً، أي أنه يأخذ تعليماته نزولاً من الأعلى إلى الأسفل.

وفي المقابل كانت باقي الفصائل والهياكل العسكرية المنضوية تحت ما يعرف بالجيش الوطني تفتقر إلى الطابع المؤسساتي، فقد كانت أقرب إلى ميليشيات مسلحة مفككة، فكان لكل فصيل جهازه الأمني الخاص به، وسجونه، واقتصاديته، وكان أفراده يتصرفون غالباً بلا انضباط أو مساءلة، ولم يكن يحكمهم إلا قانون الغاب.

وزد عليه أن هذه الفصائل كانت متناحرة فيما بينها، وضعيفة وهشة، وسلوكها غير منضبط، أشبه إلى سلوك قطاع الطرق والعصابات والتنظيمات المافيوية.

ولأن قسد لم تكن تملك حاضنة عربية سنية في البلاد، فوقع الاختيار على هيئة تحرير الشام، رغم أن قسد كانت ولا تزال تمتلك قدرات كبيرة في الانضباط والقوة والعمل المؤسساتي تفوق مثيلاتها من التنظيمات التي تنشط على الأرض السورية، بغض النظر إن كنا مع سياساتها أو ضدها.

ولا أذيعكم سراً أنني كنت أتوقع أن من سيستلم مهمة إسقاط نظام الأسد هي قوات سوريا الديمقراطية، وكان في اعتقادي أن التحالف الدولي لا يمكن أن يستثمر في كيان عسكري بحجم قوات قسد طيلة اثنتي عشرة سنة، ويمدها بالعدة والعتاد والتمويل اللوجستي فقط من أجل محاربة داعش، وإنما كان في اعتقادي أن له هدفاً آخر، وهو مهمة إسقاط النظام، ومن ثم يكون أول من يبدأ بتشكيل النواة الرئيسية لبناء الدولة السورية الجديدة بعد إسقاط النظام.

إلا أن المشكلة الوحيدة التي كانت تعترض قوات قسد هي أنها لم تكن تنحدر من خلفية عقائدية سنية عربية كما الآخرين، ولم يكن لها حاضنة بين الأغلبية العربية السنية، ولم تكن مقبولة حتى بالأمس القريب من تركيا، فتم توكيل المهمة لهيئة تحرير الشام لاستلام دفة المرحلة.

وتحدثنا أيضاً أن الدول رأت أنه لا يمكن لأحد ضبط ممارسات الفصائل المتناحرة بعد سقوط النظام البائد غير هيئة تحرير الشام، وبالرغم من هذا الاعتقاد، إلا أن رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لم ينجح في ضبطها بشكل كامل، وتجلى ذلك في أحداث الساحل وصحنايا، والآن نراه في السويداء.

ولربما يعود السبب الرئيسي خلف هذا الإخفاق إلى التوازنات الدولية على الأرض، فكما يعلم الجميع أن كل فصيل له امتداداته الخارجية، ولا تزال تلك الفصائل تتحرك بإيعاز من مشغليها، ولذلك نرى أن السلطة الانتقالية فشلت إلى الآن في مهمة ضبط تحركات هذه الفصائل، ولم تستطع السيطرة عليها بالكامل.

واليوم وبعد كل ما جرى، لا يسعنا إلا أن نقر بأن المرحلة الانتقالية تتخبط بين مشروع بلا حاضنة، وفصائل بلا ضوابط، وسلطة بلا سلطة، فالواقع يعيد إنتاج أزماته، وكل محاولة للإصلاح تولد مشوهة تحت وطأة الاصطفاف الطائفي والتوازنات الدولية.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد من يقود المرحلة، وإنما من يملك القدرة على إنقاذ ما تبقى من الدولة؟

فما بين مطرقة الفوضى وسندان التدخلات، تبدو البلاد معلقة على خيط رفيع لا يُمسكه إلا من يفكر بوطن لا بمنطقة، ويؤمن بدولة لا بكيان، ويضع مصلحة الشعب فوق حسابات المحاور وأوهام السيطرة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…