كي لا نصحو على وطن بلا جدران!

صلاح عمر

في تاريخ الشعوب المقهورة، ومسيرة الأمم الباحثة عن الحرية والكرامة، تتكرر مقولة جارحة في عمقها، مُرّة في حقيقتها، دامغة في واقعها: “الحق بلا قوة… مجرد وجهة نظر!” عبارة لا ترحم. تكشف عُري العدل حين يكون أعزل، وتفضح العالم حين لا يصغي إلا لمن يصرخ بقوة أو يلوّح ببطش.

منذ أكثر من قرن، وقضية الشعب الكردي تُقدَّم للعالم على أنها قضية حق: أمة تمتد على أرضها التاريخية، تمتلك لغة وهوية وذاكرة ودماء سفكت لأجل الحرية. لكن كم مرة أنصت العالم لصوت هذا الحق؟ كم مرة تغيّر موقف دولي لأن الكرد قالوا: “نحن على حق”؟ الجواب المؤلم: قليلًا… إلا حين امتلك الكرد بعضًا من القوة، أو فرض عليهم التاريخ خوض معركة وجود.

لقد أثبتت التجربة مرارًا وتكرارًا أن الحق الذي لا يحمله تنظيم قوي، ولا يسنده وعي سياسي جامع، ولا تحرسه قوة ذاتية منظمة، يبقى عرضة للمساومة، بل للإبادة أحياناً. ففي كردستان سوريا، حين اجتاح “داعش” المدن والقرى، لم يُسأل الكرد عن برامجهم السياسية، ولا عن أخلاقهم ولا تحالفاتهم. سُئلوا عن قدرتهم على الصمود. وفي كوباني، وقف العالم ينظر… ثم حين أدرك أن في هذه المدينة الصغيرة إرادة تفوق الجغرافيا، وقوة تحوّلت إلى أسطورة، بدأ يغيّر حساباته. تلك اللحظة كانت ولادة لقوة كردية لم تعد “مجرد وجهة نظر”، بل حقيقة قائمة، تفرض حضورها على الطاولة الدولية.

لكن ذلك الحضور – رغم أهميته – لا يزال هشاً ما لم يُدعّم ببناء جبهة كردية داخلية موحدة. إن الخطر الأكبر ليس فقط من أعداء الخارج، بل من الشروخ التي تنبت في الخاصرة. فالخلافات العبثية، والتناحر الحزبي، والتخوين المتبادل، كلها ألغام في طريق المستقبل، وتخدم من يراهن على تفكيك المشروع الكردي من داخله، وتمكين القوى المتربصة من الطعن في خاصرة الإنجازات التي تحققت بالتضحيات والدماء.

لقد آن الأوان، وبلا أي تردد أو حسابات ضيقة، أن تدخل قوات بيشمركة روج آفا إلى كردستان سوريا، لتلتحم مع إخوتها في وحدات حماية الشعب، تحت قيادة موحدة، وعنوان قومي واحد. فليس من المقبول، بعد كل هذه التجربة، أن تبقى القوة العسكرية الكردية مشرذمة، أو مرهونة باعتبارات غير كردية، فيما العدو لا ينتظر، والمشاريع المعادية لا تتوقف. إن بناء قوة عسكرية كردية وطنية، جامعة، تؤمن بحقوق الشعب الكردي وتدافع عنها ضمن سوريا الجديدة، هو ضرورة وجودية قبل أن يكون خياراً سياسياً.

فبدون مظلة عسكرية موحدة، لا يمكن حماية المكتسبات، ولا ضمان أي تسوية عادلة في مستقبل سوريا. الوحدة العسكرية اليوم هي الرد الأقوى على التحريض الطائفي، وهي الدرع الذي يحمي الحلم الكردي من السقوط في فوضى المصالح الدولية أو الفتن الداخلية. فإلى متى ننتظر؟ أليس هذا هو الوقت الذي نُترجم فيه شعارات الوحدة إلى وقائع ميدانية؟ أما آن أن نغلب مصلحة شعبنا على وهم المكاسب الفئوية؟ الزمن لا ينتظر، والعدو لا يرحم. فلنبنِ جيشنا الوطني الموحد… قبل أن نصحو على وطن بلا جدران تحميه. وهنا تكمن الحكمة الثورية: أن تُبقي يدك ممدودة للحوار، لكن يدك الأخرى على الزناد – لا للعدوان، بل لحماية شعبك من كل طارئ، من كل خيانة، من كل هجوم طائفي أو عنصري أو غادر.

ما يجري اليوم في السويداء ليس حادثاً معزولاً، بل إنذار مبكر. دماء الدروز التي سُفكت، والعبث الطائفي الذي بدأ يُروَّج له، والمشهد الخطير للفزعات العشائرية التي تدفعها جهات في “الحكومة المؤقتة” نحو الاقتتال الداخلي، كلها نارٌ إذا اشتعلت، لن تقف عند جبل العرب. ستنزلق شمالًا، إلى مناطقنا، إلى قرانا، إلى مدننا الكردية، ما لم نكن على قدر اللحظة. إن التحريض الطائفي ليس صدفة، بل ورقة تُلعب بعناية. وإن السماح بتحريك ميليشيات عشائرية نحو السويداء، هو لعب بالنار. وعلى الرئيس المؤقت “أحمد الشرع” أن يعي جيدًا أن مسؤولية الدم مسؤولية وطنية وتاريخية، وأن سوريا الجديدة لا تُبنى على جماجم المكونات، بل على عقد اجتماعي يعترف بها ويحميها.

فلا خيار إلا في سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تحفظ حق الجميع، وتؤسس لنظام يوزع السلطة والثروة، لا يحتكرها باسم “الوطن” فيما يهدر كرامة الناس. ولذلك نقول لشعبنا الكردي: لا تكونوا على هامش الأحداث. كونوا حاضرين، يقظين، مستعدين. ابنوا وحدتكم الداخلية، قوتكم الذاتية، وشبكاتكم السياسية والإعلامية والدبلوماسية.

الحق بلا قوة… لن يكفي. وإذا لم تبنوا قوتكم بأنفسكم، فلن يفعلها أحد لأجلكم. التحالفات قد تتغير، الأصدقاء قد يتخلّون، لكن من يعرف طريقه ويملك إرادته، لا يُضلله الموج، ولا يُغرقه الزبد. إن العالم لا يُنصف المظلوم لمجرد أنه مظلوم. بل لأنه صمد، وناضل، وأصرّ على الحياة بشرف.

في هذا الشرق الجريح، لا ننجو فقط بمنطق الحق… بل بمنطق الحق والقوة معًا. فاصنعوا قوتكم. اجعلوا من قضيتكم حقيقة لا يمكن إنكارها، لا صوتًا في وادٍ.

لأن الحق الذي لا يُحمى… يضيع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…