وليد جنبلاط على خطى والده… دعاة سلام في زمن الفتن

حوران حم

في قلب الشرق الأوسط، حيث تتشابك الطوائف وتتعدد الولاءات، ظل لبنان مثالًا حيًا على هشاشة التوازنات بين مكوناته الدينية والسياسية. ومن بين كل تلك التحديات، برزت الطائفة الدرزية – برموزها وتاريخها – كمكوّن وازن لعب أدوارًا مفصلية في رسم معالم الدولة اللبنانية الحديثة، سواء في زمن الحرب أو في مراحل التهدئة وبناء الدولة.

لقد كان كمال جنبلاط، مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، أحد أبرز هؤلاء الرموز. لم يكن مجرد زعيم درزي، بل كان مفكرًا ومصلحًا وحامل مشروع وطني يتجاوز الاصطفافات الطائفية. في سنوات الحرب الأهلية التي اشتعلت شرارتها عام 1975، ورغم وقوفه في طليعة الحركة الوطنية، ظل كمال جنبلاط ينادي بالسلم الأهلي، ويعمل على ضبط النفس وسط فوضى الميليشيات والمذابح والاحتراب الطائفي، مستشرفًا خطر التقسيم والدمار الشامل.

ورغم استهدافه الجسدي عام 1977، فإن إرث كمال جنبلاط لم يُدفن معه، بل انتقل إلى نجله وليد، الذي اختار منذ تسلّمه زمام القيادة، أن يكون امتدادًا عقلانيًا لذلك المشروع السياسي الإنساني. لم يكن وليد جنبلاط نسخة مطابقة لوالده، لكنه سار في الجوهر على ذات الخط الوطني، مؤمنًا بأن لا سبيل لإنقاذ لبنان والمنطقة سوى بالحوار والانفتاح، وبأن الخلاص لا يأتي من التخندق الطائفي أو الارتهان للمحاور الإقليمية، بل من بناء عقد وطني شامل.

وفي هذا السياق، شكّلت مواقف وليد جنبلاط الأخيرة إزاء أحداث السويداء في سوريا، محطة جديدة تعكس ثبات الرجل على مبادئه. فقد كانت تصريحاته واضحة في إدانة العنف، والدعوة إلى الحلول السياسية، واحترام كرامة الناس، وحماية المكون الدرزي من الانجرار إلى أتون الصراعات العبثية. وبدا من خطابه أنه لا يوجه نداءً للدروز فحسب، بل لكل العقلاء في سوريا ولبنان، محذرًا من أن الفتنة الطائفية لا تميّز بين قاتل ومقتول، وأن مشروع السلم الأهلي هو الخيار الوحيد الباقي في منطقة أُنهكتها التدخلات، والنزاعات، والتجاذبات.

ولعل من اللافت، في سياق هذا الحديث، التشارك العميق بين المكونين الكردي والدرزي، سواء على المستوى التاريخي أو السياسي. فكلاهما يمثل أقليات قومية ودينية في الشرق الأوسط، واجهت عبر الزمن أشكالًا متشابهة من التهميش والاضطهاد، وسعت إلى ترسيخ حضورها من خلال الالتزام بالمبادئ الإنسانية، والانفتاح، ومقاومة الاستبداد.

ويكتسب هذا التلاقي بعدًا أعمق حين نعلم أن عائلة جنبلاط نفسها تعود بأصولها إلى كردستان، وبالتحديد إلى منطقة حلب – بحسب عدد من المؤرخين – قبل أن تستقر في جبل لبنان في القرن الـ17. هذه الجذور الكردية، وإن لم تكن موضوعًا دائمًا في الخطاب السياسي لعائلة جنبلاط، إلا أنها تشكّل رابطًا وجدانيًا وثقافيًا عميقًا، يظهر بوضوح في مواقف كمال جنبلاط، ثم وليد جنبلاط، من قضايا الشعوب المستضعفة، وفي طليعتها القضية الكردية.

لقد كان كمال جنبلاط من أوائل القادة العرب الذين دعوا لاحترام خصوصية الشعب الكردي وحقوقه القومية والثقافية، ورأى في قضيتهم امتدادًا طبيعيًا لنضال الشعوب من أجل التحرر. أما وليد جنبلاط، فقد واصل هذا النهج، داعمًا للقضية الكردية، ومنفتحًا على قواها السياسية، مؤمنًا بأن مستقبل المنطقة لا يتحقق إلا بإشراك مكوناتها جميعًا في رسم خرائط السلام والكرامة.

إن هذا التلاقي بين الدروز والكرد ليس فقط انعكاسًا لجذور تاريخية، بل أيضًا لرؤية سياسية عصرية تدرك أن التعدد والتنوع يمكن أن يكونا مصدر قوة لا تهديد. وإذا استطاعت هذه الأقليات، برموزها العقلانية المتزنة، أن تبني تحالفات قاعدية عابرة للحدود، فإنها ستكون قادرة على رسم معالم شرق أوسط جديد، أكثر عدلًا، وإنصافًا، وسلامًا، بعيدًا عن مشاريع الإقصاء، والعسكرة، والطغيان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…