الكورد السريان هوية تتجذر لا تذوب – الجزء الخامس

د. محمود عباس

 

سادسًا، لا يمكن بأي شكل من الأشكال اختزال المكون السرياني الكوردستاني في الجزيرة ضمن سردية قبائل زبيد أو طيء أو شيبان، فهذه القبائل، وإن وُجدت بالقرب من مناطق تواجد السريان، إلا أن السريان أنفسهم لم يكونوا يومًا تابعين لها، بل عاشوا في مدنهم وقراهم، ببنى مجتمعية ودينية خاصة بهم، أو في مجتمعات مشتركة مع الكورد المسلمين والإيزيديين، واحتفظوا بمؤسساتهم الكنسية والثقافية، حتى تحت أسوأ ظروف التهجير.

سابعًا، فيما يتعلق بالادعاء بأن تسمية “باعربايا” في الأدبيات السريانية تعني أرض العرب، فإنها في الحقيقة كانت تعني، وفق كثير من المؤرخين السريان، المناطق التي احتلها أو استقر فيها بعض من العرب لاحقًا، لكنها لم تكن تعني أبدًا أن سكانها الأصليين كانوا عربًا. بل ظلت المنطقة تحت هيمنة الكنائس السريانية، وبقيت اللغة السريانية لغة الأدب والصلاة والعلم، حتى بعد دخول الإسلام.

ثامنًا، إن الرواية التي يسوقها بعض أبناء القبائل عن “أصلهم السرياني” ليست إلا محاولة للتماهي مع التاريخ الروحي العريق للمنطقة، وهو أمر يمكن فهمه من منطلق إنساني، لكنه لا يسمح بتحويل التماهي العاطفي إلى قرصنة تاريخية، فحب التراث السرياني لا يعني أن صاحبه سرياني، تمامًا كما أن تبني بعض المفردات الكوردية في اللغة العربية لا يجعل ذلك العربي كوردًا.

وأخيرًا، إن هذا النوع من الخطاب، الذي يذيب الفروقات القومية تحت يافطة “التحالفات التاريخية” أو “أحلاف الدم”، يخدم الأجندات السلطوية التي طالما سعت إلى محو الهويات المغايرة باسم الوحدة، سواء أكانت وحدة عربية أو إسلامية أو حتى قومية مزيّفة، إن الدفاع عن أصالة المكون السرياني، بصفته قومية مستقلة، أو ذوي أصول كوردية، اعتنقوا المسيحية، مثلما اعتنقوا سابقا اليهودية، والإسلام، هو دفاع عن التنوع الحقيقي في سوريا، وضمانة ضد النمطية القومية التي أفرزت أنظمة الاستبداد والتهجير.

وفي الواقع المقال ومصادره، ينطوي على مجموعة من المزاعم المضلّلة والمفاهيم، لكونها تستند إلى روايات شفوية غير موثقة، وتهدف، دون مواربة، إلى إذابة الهوية الكوردية والتشويش على الانتماء القومي للسريان والمحلمية ضمن سردية عشائرية عربية تُعيد إنتاج الاستعمار الداخلي، هذه المرة بلغة “التكافل” والأخوة الزائفة”.

أولاً: من أين يستقي قرياقس رواياته؟ وأين المصادر؟

من اللافت أن عبد المسيح قرياقس، كما يقدمه النص، يبني سرديته على شهادات وجدانية، تأثرت بمسيرة انخراطه في حزب البعث، والمكتسبات التي حصل عليها من خلفها، لا على وثائق موثّقة أو دراسات أكاديمية، فلا نجد في حديثه إحالة إلى مصدر أرشيفي موثوق، أو إلى دراسات أنثروبولوجية أو تاريخية، بل يعتمد على مرويات نشرتها الأنظمة العروبية وكتاب حزب البعث، ومصطلحات منقولة شفهيًا، فهل يمكن تأسيس مفهوم قرابة قومية وعرقية ودينية على هذا النمط من الحنين العشائري؟ وهل يصح تحويل علاقات الجيرة أو المصاهرة إلى أدوات لإعادة تعريف شعوبٍ عريقة كالسريان أو الكورد المسيحيين؟ إنها اختزالية خطرة لا تنتمي إلى العلم أو التاريخ، بل إلى أجندة سياسية ناعمة تُراد لها أن تمرر عبر قنوات العاطفة.

ثانيًا: ما علاقة “الشيبانية” بالمحلمية؟ ولماذا هذا التغيير في هوية القبيلة؟

القول إن المحلمية، وهي مجموعة عريقة استقرت في مناطق طور عابدين وجبال كوردستان منذ قرون، قد تحولت إلى “قبيلة بني شيبان”، هو ادعاء لا سند له “شيبان” اسم لقبيلة عربية تعود إلى ربيعة، وهي مختلفة تمامًا عن المحلمية من حيث الأصل والمجال الجغرافي، وحتى من حيث اللغة الثقافية، فالمحلمية عاشوا في كنف الثقافة الكوردية، وداخل المجال الكوردستاني، وعرفوا بتداخلهم مع السريان والأرمن والإيزيديين، وإن تم “تعريب” شرائح منهم لاحقًا، فهذا كان في إطار سياسي قسري، ضمن مشروع “تأميم الهوية” الذي مارسه العثمانيون أولًا، ومن ثم الأنظمة القومية العربية.

ثم كيف نفهم أن شيخ القبيلة يُقدّم نفسه كشيباني بينما سكان المنطقة، تاريخيًا، لا يعرفون إلا اسم “المحلمية”؟ ولماذا هذا التهجير الاصطلاحي إن لم يكن جزءًا من مشروع “إعادة تأطير الجغرافيا”؟ إنها محاولة لإخراج المحلمية من سياقهم التاريخي الكوردستاني، وزجهم في هوية عربية لا تاريخ لها في المنطقة قبل الإسلام.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

4/7/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…