حرب الإبادة على الدروز: السويداء كنطع وعنوان لتكرار  فصول المذبحة

إبراهيم اليوسف

تأسيسًا على المسار الطويل لإفناء الهوية الدرزية، لا يبدو أن المسألة متعلقة بحادثة أو خلاف طارئ، بل ها نحن أمام صفحة جديدة من كتاب ممدود بالحقد، تُضاف إليه في كل عقد ورقة نار. حيث لم يكن التاريخ الدرزي سلسلة من الانعزال عبثًا، بل ثمرة جراح طاردت هذا المكوّن منذ القرن الحادي عشر، فألجأته إلى قلاع الجبل ومخازن الصمت، ليحفظ وجوده فيما يشبه الانكماش الوقائي. وإن تسرب الضوء إلى داخله تدريجيًا، فلم يكن ذلك إلا بجهد أبنائه الذين انشقوا عن العرضي لا عن الجذور الجامعة، ومنهم أولئك الذين التقيتهم على امتداد مسار محطاتي الحياتية في سوريا والشتات، فكانوا من أوفى الأصدقاء، وأنبلهم، وأوفاهم، وأكرمهم، وأصدقهم، وقد كان الحزب الشيوعي السوري ال\ي يراد وأده، ولست إلا مع جوانبه الأصيلة المضيئة، لا الجانحة، جسرًا إلى تلك المعرفة، إذ لم يكن جسدًا أيديولوجيًا بقدر ما كان بابًا إلى وجدان أرحب.

من هنا، فإن موقفي حيال ما يجري في السويداء لا ينبع من موروث خارجي، بل من تماس مباشر مع أولئك الذين لا ينظرون إلى أنفسهم كضحايا، بل ككائنات سورية أصيلة تسكنها الوطنية لا الطائفة، وتضمر قلقًا شفافًا على الإنسان لا على مجرد مجتمع أو أفرد بيئة. إنهم من أقل الفئات تلبّسًا بالاصطفاف الروحي العدائي، بل من أكثرها انتماءً إلى فكرة الكرامة الفردية، وهي التي تهتز اليوم تحت وقع العدوان.

إذ يتكرر المشهد ذاته الذي رأيناه في عفرين، وتل أبيض، وسري كانيي” رأس العين”، بل على غرار ما شهده ولما يزل يشهده الساحل، كأن الترسيمة واحدة والعدسة واحدة، والمتفرج هو ذاته، والمخرج لا يبدّل أدواته. حيث التجييش على الدروز لم يبدأ من اختطاف بائع خضار، بل سبقته تهديدات واضحة وتحريضات مباشرة، بلغت ذروتها” حتى ما قبل” حوادث جرمانا وصحنايا، منذ أن ترافقت مع دعوات لاقتلاع كل من لا يرضخ لنموذج طائفي محدد في كامل الشروط، سواء كان كرديًا أو علويًا أو مسيحيًا أو درزيًا، وحتى عربياً غداً، وهوما لم يتم الحديث في مدى أخطاره بالمستوى المطلوب بعد. وهكذا بدا أن ساعة الجبل قد دقّت، وأن السيناريو جُهّز بدقة كي يتم إنزاله على الرقعة السورية كلها، بلا مواربة.

إنما ما يُخشى منه ليس فقط الفعل، بل التواطؤ. حيث تظهر أجهزة النظام كمراقب لا يميل إلى الإنصاف، بل ينزلق إلى شبهة التحيّز، بل إلى ممارسة فعل القهر الصريح.  وما شريط الفيديو الذي جرى فيه حلق شارب شيخ مسنّ لم إلا تكرار لمشهدية الذل التي مارستها تنظيمات مثل “داعش”، من قبل، لا سيما في إعداماتها الميدانية التي كانت تسعى إلى الترويع لا إلى الانتصار. من هنا، فإن قراءة ما يحدث لا يمكن فصلها عن أدوار متشابكة، تبدأ- تحديداً- من أجهزة السلطة، ولا تنتهي عند السماسرة المحليين الذين يبرعون في إشعال العصب وتفتيت النسيج.

أما ما يُحكى عن “سرقات”، و”إحراق للمنازل”، و”انتهاك للحرمات”، فهو جزء من مخطط أوسع يحاكي نموذج المغول. فالمسألة ليست ردّ فعل على حادثة، بل مشروع منظم للاستباحة، يسعى إلى خلق صراع داخلي يلتهم الداخل بأنيابه، بينما يصفق الخارج بيديه، ويجمع الغنائم بالهدوء نفسه الذي يُراقب فيه سقوط البيوت.

إنما ما يزيد المشهد قتامة هو توازي الهجوم على الدروز مع حملة تهديدات ممنهجة تطال الكرد، حيث باتت المنصات الاجتماعية -بموافقة غير معلنة من دوائر رسمية- ساحة لتلك التهديدات. يذهب بعض مروّجيها إلى الجهر بأن الكرد هم الهدف القادم، باعتبارهم “الخطر الأكبر”، وهكذا يكتمل عقد الكراهية لدى رعاة المخطط وأدواته القميئة، تحت دعاوى وشعارات براقة ملفقة، باسم الوطنية، لاسيما من كانوا في سلوكهم ورؤاهم ضد هكذا رؤى وثقافة، حتى الأمس القريب. إذ ليس من قبيل المصادفة أن يُشتم الدروز وتُهان كراماتهم، فيما تُطلق الشتائم نفسها على الكرد، حتى في إطار الفيديو الواحد، ويُعاد استحضار خطاب إبادتهم، كما لو أن الزمن أعيد إلى الخلف، وكل الأقنعة قد سقطت.

تأسيسًا على ذلك، فإن العيون يجب ألا تُغمض أمام ما يُحاك، لأن ما يُمارس في السويداء اليوم ليس “فتنة عابرة”، بل امتداد مباشر لسياسة تفكيك وتكريس واقع البلد على أساس مناطقي، طائفي، وعرقي، بعكس مزاعم من هم وراء هذا المخطط من العميان ال\ين يترجمون ما يراد منهم وماتسول به أنفسهم وثقافتهم من غرائز عدوانية مشبعة بعفونة طحلبية ملتبسة الثقافة. وها هو الجبل يُمتحن، تمامًا كما امتحنت كوباني وعفرين من قبل، وتمامًا كما عاين الساحل لحظة الغرق في لغة الدم.

إن الوقوف إلى جانب المكوّن الدرزي اليوم ليس تضامنًا مع طائفة، بل هو انحيازنبيل- بغض النظر عن حقيقة  أدوات من صميم المخطط من بين هؤلاء-  انحياز إلى ما تبقّى من إمكانية للبقاء سورياً، جامعاً، كما حلم به كل المخلصين لرابط الوطني. إذ لم تعد الحرب مؤجلة، بل بدأت بصمت ثم دوّت، وكل من يظن أنه بعيد عنها، لم يقرأ جيدًا فصولها التي كُتبت بمداد أسود على جدران الخراب.

وإنما يبقى السؤال: هل يستفيق السوريون، قبل أن يصبحوا -كلهم- من ضحايا السيناريو ذاته؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…