تعليق تعاون إيران مع الوكالة الدولية: استراتيجية استعراض القوة أم كسب الوقت؟

نظام مير محمدي *

 

بعد وقف إطلاق النار في حرب ال12 يومًا، وفي الوقت الذي کان العالم يتوقع ثمة تغيير في النهج المتشدد للنظام الإيراني وجنوحه نحو مواقف سياسية أکثر إعتدالا وعقلانية، فإن الذي يبدو ظاهرا لحد الان بأن أي من التوقعات الإيجابية التي تم الاعراب عنها هنا وهناك ليس لم تتحقق بل وحتى إن العکس منها هو الذي صار يتبلور ليٶکد بأنه لا جديد في سياسة ونهج هذا النظام بل إنه وکما کان دائمًا!

الأصوات التي بدأت تتعالى في برلمان النظام مطالبة بعدم التفاوض والتمسك بالنهج والسياسات المشبوهة رافقتها أيضا ووفق ما أعلنته وسائل الاعلام الرسمية للنظام من إن مسعود بزشکيان قد صادق يوم الاربعاء الماضي الثاني من يوليو2025، على قانون أقره البرلمان الشهر الماضي لتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والبدء بتنفيذه.

وينص القانون على أنه، نظرا لما وصفه بـ”انتهاك السيادة الوطنية وسلامة الأراضي الإيرانية” من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، فإن الحكومة “ملزمة بتعليق جميع أشكال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) واتفاقيات الضمانات ذات الصلة، وذلك حتى يتم تلبية شروط من بينها تأمين سلامة المنشآت النووية والعلماء الإيرانيين”. وبذلك فإن البعض الذي کان ينتظر من أن يلوح النظام بغصن زيتون فإنه وبدلا من ذلك يسير في الاتجاه المعاکس ليٶکد من جديد على ولعه بإثارة الازمات والحروب.

هذا التصعيد الجديد الذي يبدو إنه قد فاجئ العالم إلا إنه لم يأت بأي جديد بالنسبة للمعنيين بالشأن الإيراني خصوصا وإن النظام الإيراني قد أثبت منذ تأسيسه سعيه للعمل من أجل إثارة الفوضى والحروب وفرض هيمنته على بلدان في المنطقة ولم يجنح يوما بإتجاه مساع تهدف لإستتباب السلام والامن، ولذلك فإن هذا التصعيد لا يمکن أن يٶخذ على أي محمل حسن، بل إنه مسعى من أجل إبقاء الضبابية والغموض على مواقف وسياسات هذا النظام.

قرار وقف إطلاق النار في حرب الايام ال12 جاء بإتجاه شبيه بذلك الاتجاه الذي حدث في الأحداث والتطوات التي نجمت عن سقوط نظام بشار الأسد وضمور حزب الله، أي إنه قد جاء بصورة مخالفة لتلك التي کان النظام يطمح إليها وهذا ما جعل النظام يشعر بقلق بالغ ولاسيما وإنه يعلم جيدا بأن الشارع الإيراني سوف يطالبه بتفسير لکل هذه الاحداث والتطورات السلبية التي تثبت وبصورة عملية فشل وخيبة سياساته التي شرع بها منذ بداية تأسيسه، ولأن هناك أيضا مقاومة منظمة ضد النظام سعيت وتسعى من أجل تعبئة الشعب وتوجيهه ضد النظام، فإنه لابد من التنويه هنا إن تعليق النظام الإيراني للتعاوم مع الوکالة الدولية للطاقة الذرية قد جاء أساسا بعد أن قام النظام بإتخاذ إحتياطات أمنية غير عادية في طهران ومختلف المدن الإيرانية وإعتقاله للمئات بتهم شتى، وهو يهدف من وراء هذا التعليق إضافة لکسب العامل الزمني، المزيد من المراوغة والمناورة من أجل الحصول على مکاسب وإمتيازات تعينه في وضعه الحالي الصعب.

 

استراتيجية استعراض القوة أم كسب الوقت؟

يجدر بالذكر أن القانون المتعلق بتعليق تعاون النظام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أُبلغ رسميًا من قبل مسعود بزشكيان إلى الجهات الإيرانية المعنية في الثاني من يوليو/تموز. وقد تمت المصادقة على هذا القانون في البرلمان الإيراني في الخامس والعشرين من يونيو/حزيران، وأقرّه مجلس صيانة الدستور، وهو الجهة المسؤولة عن المصادقة على القوانين، بسرعة.

وجاء في هذا القانون، من بين أمور أخرى: على الحكومة أن تعلّق فورًا بعد إقرار هذا القانون أي تعاون مع الوكالة بناءً على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) واتفاقية الضمانات المرتبطة بها، حتى تحقيق شروط معينة، بما في ذلك ضمان أمن المنشآت والعلماء.

النظام الإيراني، الذي لا يمتلك القدرة على مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا، يستهدف من جهة الوكالة ومديرها العام كحلقة ضعيفة، ومن جهة أخرى، لا يريد أن يكتشف مفتشو الوكالة حجم الدمار الناجم عن القصف الأمريكي للمواقع النووية في فردو ونطنز وأصفهان.

كما يعتقد النظام أن التظاهر بصنع قنبلة نووية بعد تعليق التعاون مع الوكالة يمثل استعراضًا للقوة وورقة يمكن أن يلعب بها لكسب الوقت.

يأتي هذا في الوقت الذي أعلن فيه ترامب في الأول من يوليو أنه يمكن الآن استخدام كلمة “الدمار” لوصف المواقع النووية الإيرانية التي استهدفتها الولايات المتحدة، حيث قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه لا يمكن حتى الوصول إلى تلك المواقع.

ومن الجدير بالملاحظة أن النظام الإيراني، على عكس تهديداته السابقة، لم ينسحب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، بل علّق التعاون مع الوكالة فقط. ويتمثل الهدف من هذا النهج المزدوج في استعراض القوة من جهة، وإبقاء الباب مفتوحًا لاستئناف التعاون مع الوكالة في المحادثات المحتملة لاحقًا.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…