بين سوبر رئاسية روسيا وفخ سوريا: قراءة في مقال ديميتري بريجع

خالد دقوري

في مقاله “«يد يلتسين إلى دمشق: درس “السوبر رئاسية” الروسية لسوريا ما بعد الأسد»،

-المنشور في موقع «السفينة» الإخباري بتاريخ 25 يونيو 2025 كـ«مقال رأي»-

يحذر الكاتب الروسي ديميتري بريجع من أن سوريا ما بعد الأسد تقف اليوم على حافة فخٍّ تاريخي مشابه لما ابتلعت فيه روسيا في التسعينيات، عندما تحولت الآمال بالديمقراطية إلى “نظام سوبر رئاسي” طغى فيه الفرد على المؤسسات، وساد فيه الفساد والتفكك الاجتماعي تحت غطاء الإصلاح.

وقد لامس المقال عندي وترًا حادًا، لأننا شعوب لم تولد لتُختصر في ظلال الزعامات، ولا لتُقسَّم تحت رايات المال أو الدين أو شعارات الأمن. نحن شعوب مزخرفة بتنوعها، ولسنا عبيدًا لطبقات تتغذى من الحرب أو تستنزف الإيمان باسم النُبل السياسي.

يقول بريجع:

“فإن انساقت سوريا لإغراء القبضة الواحدة تحت ذرائع استعادة الأمن وإنعاش الاقتصاد، فإنها تعيد كتابة فصول المأساة الروسية، ولكن بحروف عربية…”

نعم، فالمماطلة في الانتخابات أو تعليق المؤسسات الدستورية لا يعني إلا فتح الباب للفوضى وتفكيك الطوائف، كما حدث في روسيا حين أُغلقت الصفحة الديمقراطية قبل أن تُفتح. إنها ذات الخدعة التي ترتدي عباءة الاستقرار لتصنع ممرًا لـ”سوبر رئيس” يُحكم قبضته على مفاتيح الدولة والمجتمع.

وهنا أقول: الشعب الذي ثار على الاستبداد لا ينبغي أن يلد من جديد أصنامًا باسم الأمن، فالمخلصون الذين يعملون بصدق وإخلاص هم طبقة العمال والمؤمنين الحقيقيين، أما من يختبئون خلف خطابات الإصلاح ويتغنون بالأمن، فهم غالبًا من السارقين وزارعي الوهم.

ويتابع بريجع:

 “في روسيا التسعينيات، تحوّل الدستور إلى أداة مفصّلة على مقاس الرئيس… وسقط المجتمع في أتون صراع طبقي حاد…”

وهذه الطبقات التي صنعها النظام الروسي—الأوليغارشيا المالية، والسياسيون النبلاء المتحالفون مع رجال الدين، والمتاجرون بالإيمان—هي نفسها الطبقات التي يجب أن نحذر منها في سوريا المستقبل. كيف نميّز بين من يريد الخير ومن يستغلنا؟ الجواب واضح: المشاركة الفعلية في القرار، وتوزيع الثروات، واحترام التعدد، وفتح المجال أمام اختلاف الأفكار واللغات والأديان.

“لا بد من قاعدة ذهبية: لا مساس بصلاحيات السلطتين التشريعية والقضائية مهما كانت الذرائع الأمنية…”

وهذا ما نحتاج أن نغرسه في أي عقد اجتماعي جديد. لا نريد قصرًا جديدًا يحكمنا من فوق، بل برلمانًا منتخبًا، وقضاءً مستقلاً، وإعلامًا حرًا. كل مؤسسة تُقمع اليوم ستتحوّل غدًا إلى بندقية موجهة نحو صدورنا.

روسيا احتاجت عشر سنوات لتكتشف الكارثة. أما نحن، فإن كنا أذكى، فلن ننتظر عقدًا لنفهم حجم الانهيار. علينا أن نقرأ اللحظة لا بالأمنيات بل بالبصيرة. أن نُدرك أن تأجيل الانتخابات، وتوسيع صلاحيات الرئيس الانتقالي، وكم الأفواه باسم الضرورة، ليست سوى فصول أولى في قصة انحدار جماعي.

نحن لم نولد لنُستغل، بل لنُعطي، لنُحب، لنبني، لننشر السلام…

وسوريا اليوم لا تحتاج بطلًا جديدًا، بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا يوزّع السلطة كما يُوزع الماء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…