يالچين كوچوك مفكر النظام التركي العميق في ثوب ماركسي ممزّق

د. محمود عباس

 

من يزعم “ترويض الكورد” لا يستحق سوى مزبلة الفكر والتاريخ. نتحدث عن يالجين كوجاك (Yalçın Küçük)، الكاتب المؤرخ التركي المعروف، الماركسي التوجه، والذي أشتهر بنقده اللاذع للسلطة التركية، وبآرائه المثيرة للجدل حول التاريخ العثماني، واليهودية، والعلاقات الكوردية–التركية.

يالچين كوچوك (Yalçın Küçük) شخصية إشكالية في الفكر والسياسة التركية، وقد شكّل موقفه من القضية الكوردية واحدة من أكثر جوانب تاريخه الفكري والسياسي تناقضًا وخبثًا.

لم يكن صديقًا للكورد، بل كان خصمًا فكريًا وعدوًا سياسيًا مقنّعًا، سعى كغيره من خبثاء الدولة العميقة التركية، إلى احتوائهم وتفريغ قضيتهم القومية من مضمونها، تحت غطاء “الاشتراكية”، و”الوحدة الوطنية”، و”الكمالية الجديدة” سابقا كان صديق مقرب للقائد عبد الله أوجلان وPKK، لكنه معارض صريح لأي مشروع استقلالي كردي، ويرى أن دور الكورد هو النضال من أجل ديمقراطية تركية شاملة وليس دولة كردية مستقلة، أو حتى فيدرالية.

في الفيديو القديم، والذي أعيد تداوله ثانية على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر يالچين كوچوك، وهو يكرر ذات الخطاب المسموم الذي لطالما ميّز كتاباته ومواقفه من القضية الكوردية، وقد بدا في ذلك المقطع القصير، أكثر تجرّدًا من أي قناع فكري أو أخلاقي، حين أعلن بلا مواربة أن “عدوّه هو البرزاني”، واصفًا إياه بـ “إسرائيل”، زاعمًا أن “الدولة الكوردية في الموصل ستكون صهيونية”. هذا ليس زلًّا لفظيًا ولا تحليلًا سطحيًا، بل موقف راسخ لمؤرخٍ لم يكن يومًا صديقًا للكورد، بل خصمًا متخفّيًا بثياب المنظّر الاشتراكي.

وهنا لا بد من التذكير، لذلك المؤرخ المتناقض، الذي جمع بين العثمانية الإسلاموية والشعارات الاشتراكية، ولأمثاله ممن يستخدمون “إسرائيل” كمصطلح شيطاني لتشويه صورة القادة الكورد أو الطعن في مطالبهم القومية، بأن إسرائيل كدولة ليست جريمة كما يروّج بعض دعاة العداء المجاني، بل هي حق قومي مثبت في النصوص السماوية الثلاث، وحق أممي مشروع، تمامًا كما هو الحال بالنسبة للشعب الكوردي ولكل شعب مضطهد يطالب بدولته واستعادة كرامته التاريخية.

ما قاله في الفيديو ليس مفاجئًا لمن قرأ كتاباته، خاصة تلك التي نشرها في التسعينات وأوائل الألفية، والتي ادّعى فيها أنه أجرى تغييرات جذرية على الوعي القومي الكوردي في شمال كوردستان، كوردستان تركيا، وجعلهم أقرب إلى الكمالية والتتريك، وذهب أبعد من ذلك حين نسب إلى نفسه الفضل في “ترويض أوجلان”، وتحويله إلى ما أسماه “كماليًا تركيًا”، داعيًا إلى إبقاء الكورد داخل تركيا، كأنهم مشروع يجب احتواؤه لا شعبًا يجب احترام إرادته.

وفي تلميحاته السامة، يهاجم (ليلى زانا) وكل من يفتخر بالقيادات الكوردية الحقيقية، ويصورهم على أنهم خونة أو مغرّر بهم، وهي ليست تقزيمًا لتلك الرموز فقط، بل طعن مباشر في وجدان الأمة الكوردية برمّتها، أنه بهجومه الدوني، لا يخوض معركة فكر، بل ينفذ عملية اغتيال معنوي لشعب بأكمله، عبر الطعن برموزه، وتسفيه مشروعه، وتحريض الشعوب الأخرى عليه، في تسويق مدروس لأفكار الدولة التركية حول “الخطر الكوردي”.

هذا الرجل كتب في أكثر من موضع، أبرزها في سلسلة Tezler Üzerine (حول الأطروحات) أن الحركة الكوردية تمثل تهديدًا لوحدة تركيا، وأنه يجب “تصحيح وعي الكورد” عبر تطويعهم فكريًا، وها هو اليوم في هذا الفيديو، يكرّر ذات الموقف، لكن بطريقة أشد تحريضًا، إذ لا يكتفي بنقد الزعامات الكوردية، بل يرتكب فعليًا جريمة خطاب، يشيطن، ويخوّن، ويزرع الكراهية، ويقدّم نفسه كمهندس تحوّل ذهني لشعبٍ بأكمله، دون أن يخفي تعاليه، ولا عنصريته المقنّعة.

ادّعاؤه بأن “العمل العدواني الذي يطاله مصدره البرزاني”، ليس سوى محاولة رخيصة لصناعة عدو إعلامي يعلّق عليه عجزه وتناقضاته، والحقيقة أن السيد مسعود برزاني لم ينشغل يومًا بمثله، ولا يستحق كوچوك أن يكون حتى على هامش مشروع سياسي كبير بحجم كوردستان، أما ترداده لعبارة أن “أوجلان أصبح كماليًا”، فهي تلاعب سياسي مفضوح، يراد منه تشويه صورة أوجلان في نظر الكورد، وتصويره كأداة تركية، كما يراد منها أيضًا طمأنة المؤسسة التركية بأن “التهديد” تمت السيطرة عليه، بفضل “جهوده الفكرية”، حسب زعمه.

إنه يلعب لعبة قذرة، يهاجم القائدين، مسعود البرزاني والمرحوم جلال الطالباني ليشكك في رمزية الحركة القومية الكوردية، ويطعن في أوجلان ليقنع جمهوره بأنه بات أداة بيد الأتراك، وهكذا لا يترك للكورد سوى خيارين، إما أن يكونوا “مشروع انفصال صهيوني”، أو “عملاء تم ترويضهم” وهذا بالضبط هو جوهر العقيدة التركية الفاشية، منذ تأسيس الجمهورية حتى اليوم.

غير أن الحقيقة التي يحاول أمثال كوچوك طمسها، أن كوردستان لن “تنفصل”، بل ستتحرر، كما تحررت إسرائيل، الدولة الصهيونية، استعادت كيانها القومي، فإن كوردستان هي الأخرى حقٌ أصيلٌ لشعبها، ونداءُ الحرية فيها ليس انفصالًا، بل تحقّقٌ للعدالة التاريخية. فالدولة الكوردية ليست خطرًا، بل وعدٌ مؤجل لحقيقة ماضية سُرقت، وحاضرٍ يُراد له النسيان، ومستقبلٍ سيولد، رغم أنف منكرٍ أو محتل.

كوچوك الذي ينفي انتماءه إلى الدولة، هو في الحقيقة من أكثر من خدم سرديتها حول الكورد، ينتقد الحكومات التركية، لم ينتقد يومًا الجوهر العنصري للكمالية، بل تبنّاه، ووزّعه مغلفًا بلغة الثورة.

كوچوك الذي يدّعي تمثيل اليسار، سكت عن المجازر في آمد، وسروج، وجزير، وسينوب، وساهم نظريًا في تعرية المشروع الكوردي أمام الرأي العام التركي.

إنه ليس مؤرخًا، بل بوق من النخبة الكمالية التي تخاف من الحقيقة، وتخشى أن تنهض الأمم التي ظلموها يومًا ما، هو لا يكتب، بل يسلّح الكلمات ضد شعب، ولا ينظّر، بل يحشد الحقد في ثياب الجدل.

الفيديو الأخير لا يعكس انزلاقًا طارئًا، بل خلاصة مسيرة كاملة من التورّط في التحريض، والخبث، والتشويه المتعمد، إن يالچين كوچوك لم يتغير، بل فقط بات أكثر وقاحة، بعدما باتت الدولة نفسها تتحدث بلغته.

فمن ينكر الوجود القومي للكورد، ثم يدّعي بأنه ساعدهم، هو ليس إلا استعمارًا فكريًا متقن التمثيل، ومن يدّعي أنه حمى كورد تركيا من أنفسهم، هو في الحقيقة يرى فيهم شعبًا ناقصًا، لا يحق له أن يختار، ولا أن يتمثّل رموزه.

إن من يسمّي البرزاني إسرائيل، ويجعل من أوجلان دمية، ويرى نفسه أبًا وراعيًا لكورد شمال كوردستان، ليس مفكرًا، بل مستعمر ثقافي بعقلية جنرال عثماني يبحث عن صدى داخل الخنادق.

وما لم يُقل في الفيديو قاله سابقًا في كتبه، وما لم يكتبه صرّح به الآن، والرسالة واحدة، لا كورد، لا رموز، لا كرامة قومية، بل خضوع لتركيا وكفى.

البرزاني لا يحتاج إلى الدفاع أمام تافه مثله، وأوجلان لا يُحدّده مخبر فكري، والكورد، في كل بقعة من كوردستان، سيبقون أصل الأرض.

أما كوچوك، فسيظل مجرّد ظلّ متعفن، في هوامش التاريخ.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/7/2025مa

شارك المقال :

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…